المهدي المنجرة عالم المستقبليات المغربي وصاحب الرؤى الكبرى

السبت 2014/06/21
المنجرة تنبأ بحرب الخليج والربيع العربي وصدام الحضارات

رحل يوم 13 يونيو الجاري عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة وقد تجاوز الثمانين عاما، ولسان حاله يردد قول زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش/ ثمانين حولا لا أبا لك يسأم”. غير أن المهدي المنجرة لم يعش ثمانين عاما فقط، بل عاش أكثر من ذلك، وهو يتنبأ بما سيحدث بعد 30 سنة، كما تشهد بذلك دراساته المعتمدة لدى الكثير من المنظمات والمعاهد الدولية، مثلما تنبأ من قبل، وتحققت النبوءة العلمية، القائمة على قواعد علم المستقبليات ومبادئه. وقد ظل المنجرة يردد دائما، أن هامش الخطأ عنده لا يتجاوز 5 في المئة، هو الذي يبقى واحدا من أقطاب علم المستقبليات عبر العالم.


ابن حي مراسا


عندما ولد هذا العبقري المغربي، في ثلاثينات القرن الماضي، اختار له والده السي امحمد المنجرة من الأسماء اسم “المهدي”، على غرار الكثير من المغاربة، الذين كانوا يبحثون عن خلاص لهم ولوطنهم المحتل، من خلال شخصية “المهدي المنتظر”، الذي قد يأتي ولا يأتي، من أجل خلاص العالم.

غير أن السي امحمد، المقاوم والمناضل المغربي، بكل تطلعه نحو المستقبل، لم يكن يعرف أنه قد اختار اسما سيحرض ابنه على تأمل المستقبل والتطلع إليه، ولد المهدي المنجرة سنة 1933، غداة الاستعمار الفرنسي، وكان السي امحمد الوالد، وهو صديق العالم والفقيه الحداثي محمد بلعربي العلوي، يبحث عن أفق ومستقبل لمغرب محتل يبحث عن حريته في المستقبل.

ولأن هذا المغرب لم يكن يملك حاضره، ولم يكن يملك قراره الشخصي، فقد كان جيل الاستعمار يتطلع للمستقبل المنشود، مستقبل الحرية والاستقلال. من هنا، تربى المهدي المنجرة، وهو ابن حي “مراسا”، في العاصمة، على قيم الأمل ومعانقة المستقبل، ليكون واحدا من أكبر علماء المستقبليات عبر كل العالم. هو الذي تخرج من دار جده من أمه، ربيعة المريني، وهي الدار التي لا تزال شاخصة وحاضرة ودالة على مغرب المعمار والأفكار، وليس مغرب الاستعمار فقط، هذه الدار التي كانت ملتقى للوطنيين الكبار، وناديا رباطيا للعلماء والمفكرين المتنورين.


مغني الحي


كما هو حال مغني الحي، الذي لا يطرب، مثلما يقال، لم يحصل المهدي المنجرة على الاعتراف والتقدير الذي يستحقه في وطنه، لكنه حصل على اعتراف عالمي وعلمي غير مسبوق. ويكفي أن واحدا من أكبر المفكرين وعلماء السياسة في القرن العشرين، وهو صامويل هنتنغتون، قد اعترف بالمهدي المنجرة، وأعلن في مقدمة نظريته وكتابه “صدام الحضارات” الصادر سنة 1993 أن المغربي المنجرة هو أول من سبقه إلى أطروحة “صدام الحضارات” وهو أكبر من جلس على الكراسي العلمية لجامعة هارفرد كتب في مقدمة كتابه يقول: “إنه المهدي المنجرة، ذلك العالم المستقبلي الذي اكتشف بأن تاريخ العالم ليس سيرورة، ولكنه صراع مستمر بين الحضارات”. وقد تحدث المنجرة عن صراع الحضارات قبل سنتين من هنتنغتون، من خلال حوار مع مجلة “دير شبيغل” الألمانية، نشر في صيف 1991. وكان المهدي المنجرة قد نظر لعالم آمن ومطمئن، يقوم على الاستقرار والسلام، ما دام يعيش في حوار وتعايش وتفاعل ما بين الحضارات والثقافات.

في محاضرة للمهدي المنجرة، في جامعة مكناس قال إن الحكام العرب إنما يهدرون أموالنا في شراء أسلحة لن يستخدموها في شيء، وإذا استخدموها، فسوف يقتلون بها شعوبهم

بعد تخرج المهدي المنجرة من ثانوية ليوطي في العاصمة الرباط، سوف يكون من ضمن أول الأفواج والبعثات التي توجهت للدراسة في أميركا، بخلاف شباب المغرب الذين توجهوا إلى فرنسا. من هنا، سوف يأتي المهدي بفكر مغاير، وبفلسفة مختلفة، وثقافة أنجلوسكسونية، متشبعة بالمستقبل، لأنها لا تئن ولا تحن إلى ماض أو تراث.

ورغم تخصص المهدي في البيولوجيا، في جامعة كورنل الأميركية، فقد ظل منشغلا بالسياسة وعلم الاجتماع، هو الذي يحمل هوية بلد محتل وملامحه. وهنا برز المهدي المنجرة في المشهد الأميركي المتعدد، يتحدث باسم المغرب والشعوب المغاربية، ويدافع عنها، ويطالب باستقلالها. في تلك الفترة، عمل المهدي المنجرة في مكتب الجزائر والمغرب بمقر الأمم المتحدة، مثلما كان رئيسا وناطقا باسم رابطة الطلاب العرب في الولايات المتحدة الأميركية.


رفض الحرب الكورية


رفض المهدي المنجرة المشاركة في الحرب الكورية، والخضوع إلى التجنيد الإجباري الذي كان مفروضا على حاملي البطاقة الخضراء، من الجاليات المستعمرة في أميركا اللاتينية، حيث قرر الرحيل إلى إنكلترا، حينما سجل موضوع أطروحته في الاقتصاد، بجامعة لندن، حول “الجامعة العربية”، ناقشها سنة 1954.

سنة 1957، غداة استقلال المغرب، سوف يعود الشاب العامل المهدي المنجرة إلى وطنه، ليساهم في بناء الحلم، ليلقى الترحيب من قبل عاهل البلاد آنذاك الملك محمد الخامس. كان المهدي المنجرة ضمن الرعيل الأول من أساتذة الشعبة الاقتصادية في جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن يعينه الملك الراحل مديرا عاما للإذاعة والتلفزة المغربية. كما عرض عليه الملك محمد الخامس مناصب حكومية رفضها بحجة التفرغ للفكر والثقافة.

غداة استقلال المغرب، عاد الشاب المهدي المنجرة إلى وطنه، ليساهم في بناء الحلم، ليلقى الترحيب من قبل الملك محمد الخامس الذي عينه مديرا عاما للإذاعة والتلفزة المغربية


مديراً لمنظمة اليونسكو


أما الاعتراف الدولي فكان أكبر وأوفر، حيث شغل، منذ 1962، منصب المدير العام لإدارة اليونسكو، على عهد رونيي ماهو. وفي سبعينات القرن الماضي، سوف يشغل منصب أستاذ كرسي الاقتصاد المبرز في جامعة لندن، التي تخرج منها. وما بين 1975 و1976 سوف يتولى المهدي مهمة المستشار الخاص للمدير العام لليونسكو، مثلما انتخب سنة 1981 رئيسا للاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية في العاصمة الإيطالية روما، ليسجل اسمه كأصغر عضو في نادي روما للمستقبليات. ويبقى المهدي المنجرة أحد أبرز المشرفين على تقرير روما المستقبلي، الذي صدر سنة 1979 تحت عنوان “لا حدود”.

في سنة 1986، ولأنه كان أول العلماء الذين تنبهوا إلى العبقرية اليابانية، ودور الإنسان الياباني في خدمة العالم، سوف يمنحه الإمبراطور الياباني شوكي وسام الشمس المشرقة، وهو أكبر الأوسمة اليابانية وأكثرها إشعاعا وإشراقا على الإطلاق.

أما كتبه العلمية، فقد ارتقت إلى صفة الكتب الأكثر مبيعا في فرنسا، طيلة سنوات الثمانينات، وهو أمر لم يسبقه إليه أحد من المفكرين العرب والفرنسيين أنفسهم. على أن الرجل كان قد خصص أرباح مبيعات كتبه كلها لجائزة من أجل السلام، قبل أن تتحول إلى جائزة من أجل الكرامة، ظلت تحمل اسم المهدي المنجرة.


المهدي والربيع العربي


مثلما تنبأ المهدي المنجرة بحرب الخليج، التي سماها الحرب الحضارية الأولى، كان المهدي المنجرة، ومنذ 2006 قد تنبأ بالربيع العربي والثورات العربية، في كتابه “الانتفاضة في زمن الذلقراطية”، معتبرا أن الانتفاضة الفلسطينية الثانية ما هي إلا مقدمة لانتفاضات عربية عامة وعارمة، سوف تعم جميع الدول ما لم تلجأ إلى الديمقراطية، باعتبارها نظاما إنسانيا كونيا لا محيد عنه.

ينطلق المهدي المنجرة في أطروحته من مقولة “الضغط يولد الانفجار”، وهو على يقين من أن الشعوب العربية إنما تعيش هوانا وظلما يتجاوز مستوى الاستغلال إلى مستوى الإذلال. ولأن الطبع البشري الإنساني لا يقبل بالذل والاستمرار فيه، فإنه سيثور لا محالة. وكذلك كان الحال، منذ ثورة الياسمين في تونس، بينما كان المهدي المنجرة يومها طريح الآلام والفراش، وهو يتتبع من بعيد ما تنبأ به من بعيد أيضا.

أما بخصوص الوضع المغربي، فقد ظل المهدي المنجرة يكن له كل الأمل في المستقبل، بحس نقدي وافر، لم يجامل فيه جهة أبدا، ولم يهادن فيه طرفا دون آخر. وبحكم نبوغه الاقتصادي والاجتماعي، فقد ترك وصيته الكبيرة والأثيرة لكل الحكومات المغربية، وهو يحذرها من خطر رهن الاقتصاد الوطني لصناديق الائتمان العالمية، مشددا على ضرورة استقلالية الاقتصاد من أجل ضمان استقلالية الدولة.

مثلما تنبأ المهدي المنجرة بحرب الخليج، التي سماها الحرب الحضارية الأولى، كان المنجرة، ومنذ 2006 قد تنبأ بالربيع العربي والثورات العربية، في كتابه «الانتفاضة في زمن الذلقراطية»


الأزمات الاقتصادية العالمية


لم تتوقف نبوءات “المهدي المنتظر” عند هذا الحد، وفي حدود الوطني والإقليمي، بل امتدت إلى كل العالم، حين تنبأ، أيضا، بالأزمات الاقتصادية والمالية في أوروبا، منذ 2008، من خلال أطروحته الثالثة “الميغا إمبريالية”، التي تحدث فيها عن جشع الاقتصاديات الحديثة.

أما في العلاقة بالربيع العربي والانتفاضات العربية، فقد حذر منها المهدي المنجرة على هذا المستوى نفسه، حين اعتبر بأن الغرب الإمبريالي نفسه إنما يواصل استنزاف واحتلال البلدان العربية اقتصاديا، مثلما استعمرها، بالأمس، سياسيا، ليكون بذلك أول من ربط بين ما يعرف بـ”الربيع العربي” و”الأزمة الاقتصادية والمالية الأوروبية” من قبل أن يحدث هذا وأن تقع تلك. وتلك هي القدرة الخارقة والعين الثاقبة لواحد من أكبر علماء المستقبليات في العالم على الإطلاق. وهو المهدي المنجرة الذي أطلق عليه وزير الخارجية الفرنسي السابق ميشال جوبير لقب “المنذر بخراب العالم”.

كأن الأمر يتعلق بابن خلدون جديد، يردد على مسامعنا أطروحة أن “الفساد منذر بخراب العمران”. على أن ما يميز الفكر المنجري أنه فكر مستقبلي استقرائي، وليس استنباطيا، يقول الحقائق والأشياء من قبل أن تحدث، أما إذا وقعت، فلا يهم.

إن درس المهدي المنجرة، عبر تاريخ المغرب الحديث، هو درس المستقبل بلا منازع. فهو العالم المغربي الذي علّمنا أن المستقبل هو الأهم، وعلينا أن نتوجه إليه دائما. وحتى لو كان الأمر يتعلق بتراث أو ماض أو ذاكرة أو تاريخ، فعلينا أن نضعه في المستقبل، نصب أعيننا كما يقال. من هنا، كان المهدي المنجرة ضمن اللجنة العلمية لأكبر ندوة علمية في القرن العشرين، احتضنتها جامعة واشنطن سنة 1990 تحت مسمى “مستقبل الماضي”.


المهدي ورفض الإهانة


يحكي المهدي المنجرة، في أحد محاضراته الشهيرة، في إحدى الجامعات، زمن النضال الطلابي الجميل، أنه كان جالسا في المقهى رفقة والده، في بداية الأربعينات، على عهد الاستعمار الفرنسي، عندما دخل ماسح أحذية، وهو يتقدم إلى طاولة يجلس عليها جماعة من الفرنسيين، الذين قاموا بنهره، وحينما عاد للمرة الثانية، قاموا بطرده، وبعد مدة، عاد ماسح الأحذية المغربي، اعتقادا منه أن جماعة الفرنسيين قد غادرت المقهى، فلما انتبهوا إليه، نادوا على صاحب المقهى، وكان فرنسيا، أيضا، تقدم إليه وصفعه وطلب منه أن يترك “الناس” لحالهم. هكذا، فقد أخرج الفرنسي ماسح الأحذية من دائرة الناس، وعرّضه لموقف ظل راسخا في ذهن المهدي الطفل، وشكل بالنسبة إليه منتهى “الإهانة” وقمتها.

في اليوم الموالي، التحق المهدي بالمدرسة، مع بداية الأسبوع، وفي حصة الفرنسية، طلبت منهم الأستاذة الفرنسية كتابة موضوع إنشاء حول فكرة معينة، فكتب المهدي يحكي الحكاية من البداية إلى النهاية، أو من البداية إلى “الإهانة”. هذه الإهانة التي كانت موضوع اشتغال نقدي واستشرافي عند المهدي المنجرة، خاصة في كتابه “الإهانة في زمن الميغا إمبريالية”. في هذا الكتاب، والذي نشر سنة 2004، تنبأ المهدي المنجرة بالثورات العربية وبالربيع العربي، وهو يقول بالحرف: “إن الانتفاضات حتمية في العالم العربي الإسلامي”. أما السبب الأساس في نظر المنجرة، فهو لأن هذه “الشعوب العربية الإسلامية تتعرض للإهانة، ولا تخضع لنظام حكم عادل وديمقراطي”.

وفي محاضرة أخرى للمهدي المنجرة، تعود إلى نحو 31 سنة، في جامعة مكناس تحديدا، يتذكر الحاضرون يومها ما قاله المنجرة من أن الحكام العرب إنما يهدرون أموالنا في شراء أسلحة لن يستخدموها في شيء، وإذا استخدموها، فسوف يقتلون بها شعوبهم.

عندما رحل محمد عابد الجابري، فقد المغرب عقله، غير أنه لا يعقل أن يفقد المغرب مستقبله، برحيل المهدي المنجرة. لذلك، فإن ما أفنى المهدي المنجرة حياته من أجله هو ما ينبغي التفكير فيه ألا وهو “المستقبل”. وسيكون من الصعب جدا أن ندرك بأن “المهدي المنتظر” الذي طالما انتظرنا طلعته وظهوره، قد رحل عنا في صمت مهول.

12