المهرب والوسيط والبائع والزبون الهارب

الجمعة 2014/03/21

التجارة الموازية سُوس ينخر كل الاقتصاديات النامية، حتى لا نقول المتخلفة، فنُنعت بالمبالغة والافتراء، وبلدان العالم المتقدّم لم تنجُ بدورها من هذا الداء العضال، في ظلّ النموذج الاقتصادي الواحد للعوْلمة “المُتغوّلة” التي تأكل حتى سيّدها.

هذه التجارة غير المعلنة والمهربة تقضي على مجهودات الدول في التنمية المستدامة، فتفرغ خزائنها الضريبية بضربات موجعة، تضرّ أيّما ضرر وقد لا تبقي ولا تذر.

التجارة الموازية، استفحلت وضربت كـ”تسونامي” في بلدان ما اصطلح على تسميتها بـ”بلدان الربيع العربي”، إما إنجازا، أو إعجازا، أو إفلاسا؟ فأصابت كل القطاعات وأتت على كافة الشرائح واستهدفت كل المواد، سلمية كانت أم حربية.

الثقافة، بدورها، لم تستثنها التجارة الموازية، فشملتها بكرم حاتمي من ثلاث مناطق، هي في الأصل مخانق: مُهرّبون ووسطاء وباعة، لكن طبعا بشكل ثقافي خالص!

دُعيت، مؤخرا، لمشاهدة مسرحية، أحمد الله أنّها جماعيّة، أي ليست من صنف الممثّل الواحد الذي أصبح موضة العصر الفرداني الموغل في الأنا الانتهازية، ماديا، أوّلا وأخيرا.

استبشرت خيرا، لانتصاري الدائم لمفهوم المسرح الاحتفالي، الذي يمنحنا جمالية سينوغرافية ودراماتورجية وإخراجية، وطبعا كلّ مقومات الفرجة المسرحية من ملابس وقيافة، علاوة على التمثيل الجماعي المشترك خدمة للنص والعرض.

قرأت بطاقة الدعوة، ويا ليتني ما قرأت، فوجدت المخانق الثلاثة، تُجهز على رقبتي دون رحمة، وجدت “المهرّب” في شخص منتج المسرحية، و”الوسيط” في شخص مخرجها، أما "البائع" فمثّله أكثر من شخص، ثلاثة ممثلين بالتمام والكمال.

فمن يكون المنتج؟ هو ببساطة زوج الممثلة، ومن يكون المخرج؟ هو بأكثر بساطة، نجلهما، أما الباقيان من ثالوث الأداء؟ فهما أخو الممثلة وأختها.

لكن شخصا واحدا مازال ناقصا هناك، لتكتمل عملية الاحتيال التجارية، هو الزّبون، أي المتفرّج، وكنت واحدا من هؤلاء.. على أنني نجوت، ليلتها وآثرت البقاء في بيتي، حفاظا مني، ربما، على القيمة المضافة لمداخيل عقلي المتواضعة، فاخترت، أن أكون مواطنا عائليا، على أن أشتري بضاعة موازية من تجار ثقافة عشوائيّين، لا نعرف من أين أتوا؟ ولا ماذا يبيعون؟

والآن أشعر أنني غير آسف، أبدا، على دوري في كساد بضاعتهم.

17