المهرجانات الشعرية المستقلة تكسر جمود الثقافة الرسمية

مبدعون ونقاد يرصدون في لقائهم مع "العرب"، دور التظاهرات والمؤتمرات والمهرجانات الخاصة بالشعر وحركة التأثير والتأثر بين النص الوافد والشعر العربي الجديد.
الجمعة 2018/10/12
الشعراء على أرجوحة التأثير والتأثر (لوحة للفنان بسيم الريس)

القاهرة - في خضم المؤتمرات والمهرجانات الشعرية التي تشهدها مصر، تثار تساؤلات حول حركة التأثير والتأثر بين النص الوافد والشعر العربي الجديد. ويبدو لهذه الفعاليات الدولية دور ملموس في تطوير القصيدة، ودعم الحوار مع الآخر، وتحفيز المثقفين على فهم العالم في ضوء مغاير.

وتمثل هذه التظاهرات المفتوحة إثراء حقيقيّا للحوار الحضاري ودعما للتسامح، بشرط ألا تتحول إلى مناسبات اجتماعية وعلاقات شخصية ومنابر للكلام.

 

تشكل المؤتمرات والمهرجانات الشعرية الأهلية والمستقلة ظاهرة في المشهد الثقافي المصري في الآونة الأخيرة، وهي تحمل على عاتقها إلقاء الضوء على قصيدة النثر العربية في أحدث تياراتها وتجلياتها، وتسعى إلى دعم الاحتكاك المباشر مع الآخر، وبناء جسور حرة للتواصل الإنساني من خلال الوسيط الشعري الخلاق.

ولم يكد “مؤتمر قصيدة النثر” يطوي أوراق دورته الخامسة بأتيليه القاهرة في سبتمبر الماضي بمشاركة عربية، حتى أعلن “مهرجان طنطا الدولي للشعر” عن استعداده لإطلاق دورته الرابعة في 26 من أكتوبر الحالي بمشاركة 30 شاعرا من 17 دولة عربية وأجنبية، برئاسة الشاعر محمود شرف.

وتراهن هذه المهرجانات الأهلية المستقلة على كسر جمود المؤسسة الرسمية وفعالياتها المتكلسة، والخروج من مركزية العاصمة والثقافة السلطوية المحافظة والموجهة، وإعادة الشعر الحقيقي إلى جمهوره في الأمكنة المفتوحة، ومنح القصيدة الجديدة فرصة لتجديد دمائها، من خلال
التواصل بين الشعراء والحراك الإيجابي واستيعاب التجارب المختلفة من سائر قارات العالم.

جماعات فدائية

يرى الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم أن بين كل ثقافة وثقافة، وكل حضارة وحضارة، ينتقل خيط التأثر والتأثير، فالترجمة رسول نقيّ بين مختلف الشعوب.

ويقول في تصريح لـ”العرب” إن المهرجانات الاحتفالية بالشعر ضرورة قصوى للتواصل ما بين الحضارات، والتقارب بين الدول والالتحام بين الشعوب.

ولأن العالم يمر بضائقة مالية في الكثير من بلدانه، كما يشيع فيه انتشار بيع الأسلحة أكثر من القمح، نجد أن الحوار يجب أن يتم بشكل أهلي، حيث تقوم جماعة فدائية بعمل مهرجانات للتواصل الشعري بشكل جماعي، بعيدا عن أجهزة الدولة، التي لم تعد تهتم بالثقافة إلا في أضيق الحدود.

وبحسب الكاتب والناقد محمد زيدان، فإن الحديث عن بناء تواصل جمالي حقيقي بين الناس بعضهم البعض في المجتمع الواحد، ثم الشعوب بينها وبين بعضها الآخر، لا يمكن أن يتوقف عند تأثير نوع أدبي يكاد يكون مهمشا في المجتمعات العربية الحديثة على الأقل، وإنما الموضوع يتسع ليشمل أولا بناء مؤسسات ثقافية، بالمزج بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني.

التأثير والتأثر لا يأتيان من خلال اللقاءات الشعرية للشعراء أنفسهم، بل بالقراءة المتأنية لكتابات الآخرين

ويرى زيدان في حديثه لـ”العرب” أن النظام التعليمي والهدف القومي وأسلوب الحياة سباقات ثلاثة يطمح الناقد أن تتحول إلى أدوات تنفيذية لتدريب المتلقي على الجمال، والمؤسسات الرسمية والجمعيات الأدبية وحتى الأفراد يمكنهم أن يسهموا في هذا الطرح لدى كل طبقات المجتمع ومستويات المتلقين.

وكي ندخل في حالة من البحث عن الجمال كما ندخل في حالة البحث عن السكر والزيت والأرز، يجب أن يتدرب الناس على تلقي الجمال بكل الأدوات الممكنة داخل الإنسان وخارجه.

ومن جهتها، تشير الشاعرة جيهان عمر إلى أن مهرجانات الشعر الأهلية بمصر لها دور كبير في استضافة شعراء متميزين، من سائر الأنحاء، لم يكونوا ليحضروا في الفعاليات البالية التي تنظمها وزارة الثقافة، وهذا يفيد الشعر والشعراء، فالشاعر القادم من بلده والشاعر المقيم هنا ستجمعهما القصيدة الجديدة والطازجة، القصيدة المترجمة والقصيدة التي كتبت في القطار، وسيكتشف الجميع أن الشعر في كل مكان له نبع واحد.

وتوضح عمر لـ”العرب” أنها دائما تعتقد أن تجربة السفر للشاعر تجعله يزيل ورقة قديمة علقت بروحه، حتى يبدأ بعدها صفحة بيضاء تصلح لكتابة جديدة، وتقول “يعرف المشاركون في هذه المؤتمرات أين تقف الكلمات على حواف القلب لتستعد للطيران”.

نحن والعالم

يشير الناقد صلاح فاروق العايدي إلى أن الاتصال بين الآداب هو الوسيلة الأساسية لدعم وتنمية الأدب القومي، ودون هذا الاتصال فلا سبيل أمام هذا الأدب إلا أن يموت.

ويؤكد لـ”العرب” أن الاحتكاك بثقافات الآخر لا غنى عنه لضمان صحة ونمو تجاربنا الأدبية، والجميل أن المناسبات الثقافية التي تجمع هؤلاء وأولئك من أجيال مختلفة وبلدان مختلفة لم تعد مقيّدة بالتنظيم الرسمي التقليدي البائد.

المهرجانات الأهلية تراهن على كسر جمود المؤسسة الرسمية وفعالياتها المتكلسة، والخروج من الثقافة السلطوية

ويرى العايدي أن هذه المناسبات غير الرسمية لاجتماع الشعر والشعراء أصبحت هي المتنفّس الأساسي لتبادل الثقافات ودعم علاقات التسامح وفهم الآخر، وكأننا بذلك نعود إلى أول ظواهر انطلاق هذا الاتصال، حين نجحت مدام “بمبادور” فى نقل الرومانسية من ألمانيا إلى فرنسا، من خلال صالونها الثقافي، وكأن الثقافة دائما تعتمد في دعمها على جهود الأفراد الأفذاذ. أما الشاعرة عزة حسين، فتوضح لـ”العرب” أن الحديث عن فكرة التأثير والتأثر بين الشعر العربي في مقابل الشعر الوافد أو المترجم أمر صعب جدّا، فنحن لسنا أمام متقابلين متكافئين لتجري المقارنة وحساب التأثير، وهذا أمر ليست له علاقة بالقيمة أو المستوى الفني، بل بحركة كل من الشعر العربي والمترجم باتجاه بعضهما البعض، وهي حركة يمكن وصفها بضمير مرتاح بأنها في اتجاه واحد، هو اتجاه الشعر المترجم نحو القارئ العربي.

وتعتقد عزة حسين أن كل قصيدة مترجمة تعد مكسبا وأرضا جديدة، وتقول “أشهد كيف أثرت ترجمة شاعرات مثل سيلفيا بلاث وشمبورسكا وفروغ فرخزادة في صديقات مقربات لشاعرات جيلي، وكيف نافست أسماء كبودلير وويتمان وبوكوفسكي وراسل إدسن وآخرين شعراء العربية المكرسين على حوائط ومنصات التواصل الاجتماعي طوال السنوات العشر الأخيرة”.

وربما يكون وجود مهرجانات وفعاليات مستقلة تحت راية الشعر أمرا مفيدا وجهدا مشكورا جدّا، إذ يسهم في خلق حراك ومجال تواصل إيجابي، بشرط محاولة التغلب على أزمات العمل الثقافي والتطوعي في مصر، وهو أمر ربما يتحسن تدريجيّا.

وعلى جانب آخر، تشير الشاعرة بهية طلب إلى أن الكثير من المهرجانات الشعرية التي تقام على شرف قصيدة النثر، قد باتت أقرب إلى شكل مؤتمر أدباء الأقاليم المترهل.

 وتذكر لـ”العرب” أن معظم هذه المؤتمرات، يسعى القائمون عليها من الأفراد إلى التكريس لأنفسهم، ومحو الآخرين، لافتة إلى أن التأثير والتأثر لا يأتيان من خلال اللقاءات الشعرية للشعراء أنفسهم، مهما تباعدت مدنهم وبلادهم، بل بالقراءة المتأنية لكتابات الآخرين، وبحث جمالياتها، فحسب قولها، اللقاءات الشخصية والجلوس إلى الموائد في المؤتمرات لا يصنعان الشعر ولا يضيفان إليه، بل يضيفان فقط للعلاقات الشخصية.

15