المهرجانات العربية.. تبديد لثروات الشعوب أم استثمار في طاقاتها

الثلاثاء 2017/11/14
مهرجان موازين بالمغرب استقطب كبار الفنانين العالميين

كثرة الأسواق لا تعني وفرة البضائع وجودتها.. كذلك هي المهرجانات الفنية التي تنتشر في العالم العربي وتتكاثر، فهل هي حالة صحية يمكن لها أن تكون مؤشرا إيجابيا يستند على مبدأ “الكم يصنع الكيف” والمنافسة تحرض على الجودة، أم أن الأمر مجرد جعجعة تطحن المكرر، تسوّق الرديء وتنشغل بغايات أخرى عكس ما تقوله وتدعيه يافطاتها وشعاراتها؟

يرى نقاد ومتابعون للشأن الإبداعي في العالم العربي أنّ المهرجانات تتكاثر وتنتشر وتتنافس، ليس فقط بين البلدان العربية بل وحتى داخل البلد الواحد، في الوقت الذي تشهد فيه شتى المجالات الفنية تراجعا خطيرا في الإنتاج والنوعية، فباستثناء عدد نادر من الأفلام والمسرحيات والأغاني وغيرها من المنتجات الفنية، وحتى الزراعية والصناعية والسياحية، التي تظهر بين الحين والآخر، تسيطر موجة من رداءة لا حدود لها، فهل وجدت المهرجانات كي تحتفي بالرداءة وتكرسها أم أن العناوين مضللة دائما؟

الذين ينظرون إلى الأمر من وجهة معاكسة ويستبشرون بالنصف الملآن من الكأس، يرون في المهرجانات والاحتفاليات وغيرها من التظاهرات، عادة حميدة وتقليدا أصيلا يجب دعمه وتكريسه أسوة بالأمم المتقدمة التي تحتفي بروح الابتكار ومشروعية التنافس وجمالية اللقاء، ذلك أن الإنسان كائن احتفالي بطبعه، وما هذا الوجود الكريم إلا “مهرجان دائم” من تكريم الإنسان لإنسانيته وذهابه نحو الآخر في التأكيد على حتمية التلاقي ونبذ كل أشكال الفرقة والانعزال.

وماذا عن الأموال التي تنفق من الخزينة العامة، أي من أموال الشعب، على احتفاليات هي بمثابة تبييض أموال من طرف جهات فاسدة لا هم لها إلا الثراء الفاحش أما التقدم والإبداع والثقافة فهي تسميات لمسميات غير موجودة في قواميسها، وليست إقامة المهرجانات سوى ذريعة للمزيد من النهب والسرقة وإثقال كاهل الشعوب الدافعة لضريبتين: ضريبة الاقتطاع من خبز أطفالها، وضريبة تحمل القبح والسماجة باسم الفن والإبداع.

لا شك أن الهوس بإقامة مهرجان للسينما مثلا، لا يحركه بالمقابل هوس وتعلق بالسينما، بدليل أن بلدانا عربية كثيرة ليس في إنتاجها أكثر من أفلام لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك تقيم المهرجانات والأعراس السينمائية المبهرة.

وفي هذا الشأن يقول الناقد والصحافي السوري حكم البابا “ولو أضفنا إلى هذه المهرجانات التي تنظم بشكل سنوي التظاهرات والأسابيع السينمائية التي تقام هنا وهناك شهريا في أغلب البلدان العربية، فستكون الحصيلة من وجهة نظر المتابع الغريب عن العالم العربي وأحوال سينماه أننا شعوب تتناول إفطارها في مواقع التصوير، وغداءها في غرف المونتاج والمكساج، وعشاءها على مقاعد صالات السينما، وأن هوسنا بالسينما يتجاوز هوس البرازيليين بكرة القدم“.

العرب قوم يشتكون من الوفرة كما يشتكون من الندرة، وينطبق على بعض المتذمرين والمنتقدين منهم لكثرة المهرجانات المثل الشامي القائل “احترنا يا أقرع من وين بدنا نبوسك”. أليس من الطبيعي بل من المفروض أن يقام مهرجان للشعر، كما للتمر، في السعودية والعراق وموريتانيا وتونس، وأين الغرابة أن يقام مهرجان في بعلبك وجرش وقرطاج.. هل تترك هذه المدرجات والأعمدة للريح والغربان؟

أمر عادي وأقل من عادي أن يحتفل بالمسرح والغناء والموسيقى والسينما في مصر، بلد يوسف وهبي وسيد درويش ومحمد عبدالوهاب وشادي عبدالسلام ويوسف شاهين.

أين الغرابة في أن تستثمر دولة مثل الإمارات العربية المتحدة في الفن والثقافة وهي التي أدهشت العالم بمبادراتها الرائدة وصروحها المعمارية واستقدمت نفائس الإبداع من مختلف أصقاع العالم؟

المهرجانات، مثلها مثل بقية النشاطات البشرية والحضارية، تضمر الصالح والطالح، تتحمل الربح والخسارة، يرفع من شأنها الأخيار ويسيء إليها الأشرار، تصرف فيها الأموال النظيفة كما تبيض فيها الأموال المتسخة، تنفع وتسيء من حيث تقصد ومن حيث لا تقصد، لكن الأهم من ذلك كله هو كيفية إدارتها وتوظيفها لأن الأمر يتعلق بالنوايا قبل الحكم على ظاهر الأشياء.

استثمار في المستقبل واحتفاء بالإنسان

تفاعل حي بين الثقافات

“قل لي كيف ومتى وأين وكم مرة تحتفل، أقول لك من أنت”، يكاد ينطبق هذا الكوجيتو على مبدأ تقييم حضارات الشعوب وتقدمها من خلال مهرجاناتها ومدى دعم وإنفاق الدول على احتفالياتها الثقافية والفنية.

الحالة الطبيعية هي أن نستغرب انعدام المهرجانات أو ندرتها، لا أن نبدي استياءنا من وجودها أو كثرتها، ذلك أن الإنسان بطبعه كائن احتفالي، ناهيك عن الأبعاد الجمالية والمعرفية والاقتصادية للتظاهرات والاحتفاليات وما يمكن أن تمثله من قيم كونية تخدم التنمية البشرية.

العالم العربي شهد منذ منتصف القرن الماضي فشل وتراجع مشاريع أيديولوجية وسياسية أدت إلى انتكاسات كثيرة كادت تعصف بهويته الثقافية لو لا تواصل النخب الفنية والفكرية عن طريق اللقاءات التي توفرها المهرجانات بشتى أنواعها الرسمية وغير الرسمية.

للمهرجانات أهداف وفوائد كثيرة على المدى المنظور والبعيد، ذلك أنها تثري وتنشط كافة مجالات الحياة. والسياسات الحكيمة هي تلك التي تستثمر في مثل هذه الاحتفاليات فتجعل منها وسيلة وهدفا في ذات الوقت، حتى أن مناطق وبلدانا كانت نكرة على الخرائط وعرفت من خلال مهرجاناتها فانخرطت في الأنساق الاقتصادية والسياحية وغيرها من القطاعات التنموية.

المهرجان من حيث كونه هدفا في حد ذاته هو ما يحققه بشكل واضح وملموس في شرطيه الزماني والمكاني، ونقصد اللقاءات التفاعلية التي ترافقها عناصر الفرجة والبهجة والاستمتاع، علاوة على ما يوازيها من نشاطات التسوق والسياحة وغيرها.

أما على المدى البعيد والخفي فإن المهرجانات تسوّق الصورة الأنصع للبلد وتقدمها بالشكل الحضاري المطلوب في المحافل الدولية، علاوة على أنها أداة جذب واستثمار في الحقول الاقتصادية والمالية لما تمثله من آلة دعائية ضخمة، بالإضافة إلى إقامة المهرجانات والالتزام بمواعيدها الدورية هي في حد ذاتها مؤشر على الاستقرار الذي يغري رأس المال المحلي والأجنبي.

ولعل أسطع النماذج العربية في ترابط الاحتفاليات الدورية بالتنمية الاقتصادية والبشرية والاستقرار الأمني هي مهرجانات دبي وأبوظبي في الإمارات وموازين ومراكش في المغرب، أما البلدان التي شهدت اضطرابات أمنية أثرت على سوية الإقبال والمشاركة في مهرجاناتها مثل مصر وتونس، فإن المفارقة الإيجابية المدهشة تمثلت في أن أنجع طرق المعالجة واستعادة التوازن، كانت عن طريق الاستمرار في إقامة وإحياء هذه المهرجانات العريقة في مواعيدها كأفضل وسيلة للرد على القوى الظلامية، وذلك من خلال نبذ الخوف والانتصار للحياة كقيمة مطلقة.

المهرجانات تسوق الصورة الأنصع للبلد وتقدمه بالشكل الحضاري المطلوب في المحافل الدولية علاوة على أنها أداة جذب واستثمار في الحقول الاقتصادية

المنتقدون لتكاليف المهرجانات ويعتبرونها عبئا يثقل كاهل الدولة، يجهلون أنه يُفترض بأي مهرجان أن يمتلك ميزانيات مالية أساسية ومريحة، مدعومة بخطط وتوجّهات ثقافية، فنية، جمالية، ومرتكزة على تنويع البرمجة بين عروض وورش عمل متخصّصة بشتّى أنواع الصناعة الفنية، بالإضافة إلى تأمين لقاءات مع منتجين وغير ذلك، فالمهرجانات هي استثمار في الإنسان والمستقبل وليست تبديدا للثروات الوطنية كما يزعم ذوو النظرة الضيقة والمحدودة.

ويرى نقاد ومتابعون كثيرون أن دول الخليج العربي وخاصة الإمارات، نجحت في ابتكار نمط جديد ومختلف في السؤال الأساسيّ لصناعة المهرجان السينمائيّ، ينبعث من مزيج المال والرغبة في التفوّق، ومن عمل جدّي ووعي معرفي سليم بأهمية الفعل الثقافي للصناعة السينمائية، بينما تتراجع سوية مهرجانات عريقة مثل تونس ومصر في السينما والعراق في المسرح ولبنان في العروض الموسيقية بفعل عوامل كثيرة من بينها الرتابة والبيروقراطية والمحسوبية والكسل الفكري بالإضافة إلى تراجع الميزانيات المرصودة.

المتتبع لتاريخ الاحتفاليات الفنية الضخمة في العالم العربي يستنتج بشكل واضح مدى خدمة هذه التظاهرات لقضايا أساسية وسياسات تنموية واجتماعية. ومن هذه الأمثلة حفلات أم كلثوم بعد الهزيمة في حرب 67 وتخصيص جزء كبير من ريعها لإعادة البناء والترميم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وحتى النفسي بعد تلك النكسة. والأمثلة كثيرة ومتعددة إلى درجة أن ارتبطت أسماء فنانين بأسماء مهرجانات وصار الواحد يبحث عن أغنيته أو فيلمه المفضل مقرونا بمكان وتاريخ المهرجان كأن يقال فيروز بعلبك أو ناظم الغزالي الكويت أو نجاة قرطاج أو ماجدة جرش أو فيلم المهاجر مهرجان كان وغيرها.

وتبقى أحد أبرز جوانب هذه التظاهرات الفنية والثقافية هي تحريك العجلة الاقتصادية كما هو الشأن في بلدان غير بترولية مثل تونس ومصر والمغرب ولبنان الذي تتحدث فيه أرقام عن كم هائل من الزوار يرافق مهرجانات بيت الدين وبعلبك وجبيل التي عرفت مساهمة بنسبة 90 في المئة في تنمية المنطقة من خلال الفنادق والمطاعم والمقاهي، ومتاجر السوق العتيق، ما دفع عددا كبيرا من الأشخاص والشركات إلى الاستثمار في المنطقة. والأمر نفسه ينطبق على المهرجانات الأخرى، ولو بنسب مختلفة.

تبذير للأموال واستهتار بالعقول

بساط أحمر لا لزوم له

المهرجانات في العالم العربي تشبه تلك الأكلات الشعبية التي ترمى فيها كل أنواع الخضار والتوابل والبقول والحبوب دون مراعاة لا لذائقة أو صحة أو نكهة أو تفرّد.. المهم هو الوفرة والتسويق، تسويق أي شيء دون تخطيط أو دراسة أو احترام للسوية الفنية والخصوصية المجتمعية.

غالبية من المهرجانات العربية تشبه الولائم التي تملأ بطون المعزومين الذين يكيلون عبارات المديح والإطناب لمن أولم لهم على أمل العودة في الوليمة القادمة التي سيتبادل أصحابها المصالح والصفقات في زحمة الصراخ الاحتفالي.

ليت العرب أبقوا على تقاليدهم الاحتفالية المعروفة في تاريخهم القديم مثل سوق عكاظ والمربد، وذلك بالتخصيص وعدم الخلط بين قرض الشعر وبيع الشعير والتمور إلى جانب عقد الصفقات والعهود، لكن الأصل ظل ثابتا، واضحا ومعروفا: أنت هنا في مهرجان شعر وتباع على هامشه بضائع كثيرة وليس العكس.

المنطق أن تقيم مهرجانا للزهور مثلا في بلد تكثر فيه الزهور وقس على ذلك في شتى أنواع الفنون، وهو ما لا نجده في بلاد عربية كثيرة، فهل أصبحت غاية إقامة المهرجانات هي إقامة المهرجانات، يا لها من سوريالية عربية في عصر التخمة الاحتفالية والشح الثقافي حتى صار الواحد يسأل الآخر: في أي مهرجان ستقضي شهر إجازتك؟

ومن المفارقات الغريبة، وخصوصا في البلدان العربية الفقيرة، أنه وفي الوقت الذي تشكو الدولة من الأزمة الاقتصادية الخانقة وتدعو إلى سياسة التقشف وترشيد النفقات، نجدها تدعم المهرجانات بسخاء في كل مدينة وتسهر عليها وترعاها وتروج لها إعلاميا وثقافيا، وتغدق الأموال وتوفر الدعم المادي والمعنوي وكذلك الوسائل والإمكانيات للجمعيات التي تصنعها وتضع المؤسسات والفضاءات العمومية رهن إشارتها من أجل إنجاحها رغم أنف المواطن.

أموال طائلة تصرف على الدعم المادي المخصص لإقامة المهرجانات وتنظيمها والإشراف عليها وأجرة الفنانين والفنانات وكل ما يرتبط بها، تستفيد منها فئات خاصة وضيقة، وحتى في حالة سلمنا بالنزاهة الإدارية وغياب الفساد فستستفيد من هذه الأموال فرق ومغنون ومهرّجون ومنافقون من خارج البلاد، ويعاني أبناء الشعب من البطالة والفقر والحرمان في الوقت الذي تكون فيه البلاد أحوج ما تكون إلى ترشيد النفقات وتعزيز مسار التنمية، ودعم العلم والعلماء والبحث العلمي، والرفع من المستوى الاجتماعي والاقتصادي للفرد والمجتمع.

المنطق أن تقيم مهرجانا للزهور مثلا، في بلد تكثر فيه الزهور وقس على ذلك في شتى أنواع الفنون.. يا لها من سوريالية عربية في عصر التخمة الاحتفالية والشح الثقافي

المتأمل في الميزانيات المرصودة للمهرجانات الصيفية ذات الطابع الترفيهي في بلد مثل تونس على سبيل المثال لا الحصر، يصاب بالذهول حين يقارن بين رواتب الموظفين المحليين وقدراتهم الشرائية الضعيفة وتدهور المستوى المعيشي وبين الأجور الخيالية التي يتقاضاها باسم الفن والإبداع قادمون من خارج البلاد بالعملات الأجنبية.

استسهال البعض في تنظيم المهرجانات قاد إلى هذا التكاثر وهذه التخمة دون ضابط ولا استراتيجية واضحة قادرة على بلوغ الهدف في ترسيخ ثقافة الاختلاف والإقبال على الآخر، كذلك فإن الأمر لا يخلو من نوايا وسياسات تنويمية في بعض البلدان.

ولعل سياسة النظام القطري في هذا المجال خير دليل على ذلك، فهو وعلى عكس بلدان خليجية مجاورة تضع استراتيجيات تنموية مدروسة لصالح شعوبها، يحاول النظام القطري أن يغطي على ارتباطاته المشبوهة والتشويش على سياسته بمحاولة “صناعة الحدث” عبر الإكثار من غوغاء التجمعات والإغداق عليها في طريقة تشبه الرشوة أو الرشوة عينها.

وإذا كان بعض السياسيين يعتقدون أن إقامة المهرجانات بهذه الطرق العشوائية والكرنفالية، تخدم قضايا الشباب والتنمية وتنتشله من الوقوع بين أنياب التطرف، فهي مخطئة بلا شك، ذلك أن المشاريع الفنية والثقافية يجب أن تخضع لاستراتيجيات مدروسة وهي ليست مجرد تجميع لعروض فرجوية وخلق هيستيريا جماعية من شأنها أن تعمق الإحساس بالاغتراب وتزيد من الانفصام النفسي حين يجد الشباب نفسه ممزقا ومشتتا بين هالة احتفالية مبهرة وواقع معيشي بائس.

وأمام هذا الكم الهائل من المهرجانات التي تبدو في غالبيتها جوفاء (إلا ما خطط لها بعناية)، لا تقلد مهرجانات الغرب إلا في الشكليات والبروتوكولات، أما كان الأجدر أن توجه ميزانياتها في اتجاه صناعة أعمال إبداعية أنفع وأبقى وأكثر تأثيرا في صناعة تقاليد إبداعية بدل الاكتفاء بالاحتفاء بإبداعات الآخرين مثل مجرد منظمي حفلات؟

نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي أن الزائر للمهرجانات العربية المتخصصة، يلحظ بهرجا ولقاءات وصورا وزحمة في ممرات الفندق الذي تقيم فيه الوفود المشاركة، وحين يدخل القاعات المخصصة للندوات الصباحية، يجدها خالية على عروشها، فارغة إلا من صاحب المداخلة ومنظم النقاش.

12