المهرجانات بين السياحة والسياسة

سياسات الدول تحكمها المصالح والحسابات الاقتصادية والسياسية لا المشاعر التي تنتج عن استقبال وفودها بالأحضان والقبلات والورود في المطارات، وتقديم الدروع الخشبية لمخرجي أفلامها ومنحهم الجوائز والتكريمات بالجملة.
الأربعاء 2018/10/10
أوين ويلسن ضيف مهرجان الجونة

من ضمن المقولات التي يرددها ويتبناها الكثيرون بحماس بالغ يثير الريبة أحيانا، القول إن مهرجانات السينما التي تقام في بعض بلدان العالم العربي، يمكن أن تساهم في إنعاش عملية الجذب السياحي، لذلك يطالب القائمون على أمر هذه المهرجانات في مصر مثلا، وزارة السياحة المصرية، بضرورة تقديم الدعم المالي لمهرجاناتهم بدعوى أنها تقوم بدور كبير وبارز في جذب السياح الأجانب.

لا ضرر على الإطلاق في مساهمة وزارة السياحة، بل كل وزارات الدولة في دعم النشاط الثقافي سواء من خلال دعم مهرجانات السينما الدولية أو غيرها من الأنشطة الثقافية الأخرى، لكن أحدا في الوقت نفسه، لا يقدم أي إحصاء أو دليل عملي ملموس، يبين بالأرقام، كيف ساهمت هذه المهرجانات عمليّا في زيادة أعداد السياح القادمين من الخارج وجعلتهم يتدفقون على مصر وقت إقامة المهرجان، لحضور فعالياته وبعد ذلك يقومون بزيارة الأماكن والمدن السياحية.

هناك شك كبير في أنّ أحدا من الأجانب يمكن أن يأتي خصيصا لكي يشاهد الأفلام في مهرجان سينمائي يقام في مصر من دون وجود مناخ ثقافي وإعلامي يبتعد عن الطابع الدعائي المعتاد، فالزائر الذي يتصادف وجوده بين ضيوف المهرجان من السينمائيين أو الصحافيين عادة ما يجد نفسه محاصرا من قبل مذيعات التلفزيون المصري بأسئلة لا علاقة لها بالمهرجان نفسه ومن نوعية “ما رأيك في جمال بلدنا وحلاوة شمسنا وخفة دمنا؟ وهل تستمتع في وجودك بيننا؟ وما هو انطباعك عن مصر؟”، وكلها بالطبع أسئلة موجهة لا يملك أحد أن يجيب عنها بالسلب، خاصة أنه يجد نفسه في مناخ قد يلقى فيه مصيرا غامضا إذا ما تجرأ وانتقد ما يجب انتقاده لا قدر الله!

نحن نريد أن تنتعش السياحة في مصر وتونس والمغرب والجزائر ولبنان وكل بلدان العرب، إلاّ أن مهرجانات السينما ليست هي الوسيلة الأفضل لتحقيق هذا الانتعاش، بل أولا وأساسا، توفير مناخ الأمن والحرية، ثم توفير الخدمات الأساسية وضمان عدم استغلال السائح، وتقديم خدمة مميزة راقية له.

أما إيهام الرأي العام بأن المهرجانات يمكن أن تحلّ مشكلة الكساد السياحي، فهو قول فيه الكثير من التضليل، فلا أحد يمكنه أن يحضر خصيصا لكي يشاهد مهرجانات تحتفي أولا وأخيرا بنفسها، أي بالممثلين والممثلات والسينمائيين المحليين وتغدق عليهم التكريم تلو التكريم، في حين أن لا أحد يعرفهم خارج الدائرة المحدودة لتوزيع الفيلم العربي، كما أنّ من النادر أن تعرض هذه المهرجانات الأفلام الجديدة عروضا عالمية أولى في غياب السوق الحقيقي الذي يكفل توزيع الفيلم، فمعظم ما تعرضه تلك المهرجانات أفلام سبق عرضها في مهرجانات أوروبية.

من جهة أخرى يمارس القائمون على أمر هذه المهرجانات نوعا من الكذب الرشيق عندما يوهموننا بأن مهرجاناتهم تقام للجمهور في حين أن ما يقام في المنتجعات السياحية يقام في غيبة الجمهور، فهذه المنتجعات لا يقيم فيها “جمهور” بالمعنى المعروف، بل مجموعة من عمّال الخدمات البؤساء الذين يعملون في خدمة السياح.

ويميل البعض الآخر إلى الإدعاء بأن مهرجانه سيكفل دعم العلاقات بين مصر ومجموعة بلدان القارة الأفريقية مثلا، تحت تصوّر أنك عندما تقيم مثلا مهرجانا للأفلام الأفريقية هنا أو هناك، ستنظر إليك حكومات الدول الأفريقية نظرة مغايرة ملؤها الود والتقدير والاحترام وتتنازل لك عمّا تعتقد أنه من حقوقها الثابتة الأصيلة.

فاستضافة مخرج بارز وموهوب مثل المخرج الأثيوبي هايلي جيريما عاما بعد عام، لم يؤد تلقائيا إلى أن تعلن الحكومة الأثيوبية تقديرها لهذا الاهتمام وأنها ستتوقف بالتالي عن بناء سد النهضة الذي يمثل معضلة كبرى بالنسبة لمصر، فسياسات الدول تحكمها المصالح والحسابات الاقتصادية والسياسية لا المشاعر التي تنتج عن استقبال وفودها بالأحضان والقبلات والورود في المطارات، وتقديم الدروع الخشبية لمخرجي أفلامها ومنحهم الجوائز والتكريمات بالجملة!

16