المهرجانات بين المدفع والعمامة

الأربعاء 2016/05/18

حضرت الكثير من المهرجانات السينمائية التي تقام في الشرق والغرب، في العالم العربي وخارجه، وشاهدت كيف تُفتتح المهرجانات السينمائية الكبرى في العالم، مثل مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين وسان سباستيان وغيرها، ولاحظت أن مقدم أو مقدمة الحفل، يكون عادة هو نجم حفل الافتتاح، شخصية إعلامية لامعة محبوبة من قبل الجمهور في البلد المضيف. وقد يقدم هذا “النجم الإعلامي” المحترف رئيس المهرجان الذي يقدم بدوره لجان التحكيم، وربما يلقي كلمة مقتضبة يرحب فيها بالضيوف ويعلن افتتاح الدورة قبل أن يبدأ عرض فيلم الافتتاح.

وفي حالة حضور وزير الثقافة إلى حفل الافتتاح، لا يصعد على خشبة المسرح، ولا يلقي خطبة إنشائية حول “دور السينما في إعادة بناء الإنسان”.. وكل هذا اللغو الذي يتكرر في البلاد التي مازال يسيطر على عقول المسؤولين فيها هاجس توجيه الفنون للدعاية لمنجزات السلطة السياسية.

من بين الكثير الذي شهدته شرقا وغربا، هناك حالتان استثنائيتان تختلفان عما يحدث في العالم كله، الحالة الإيرانية والحالة المصرية.

ففي إيران التي تخضع فيها جميع مؤسسات الثقافة وغير الثقافة للمؤسسة الدينية، تُفتتح مهرجانات السينما بتلاوة القرآن الكريم، حيث يجلس مقرئ فوق مقعد منصة المسرح، ويقرأ أمام الجمهور لعدة دقائق.

وفي مصر التي تخضع مجريات الأحوال فيها للمؤسستين الأمنية والعسكرية، تفتتح المهرجانات بالنشيد الوطني، هنا يهب جميع الحاضرين بمن فيهم الضيوف الأجانب، واقفين تحية للوطن، أي للدولة المضيفة.

في الحالة الأولى، يعلو المفهوم الديني فوق الفن، بل وفوق كل شيء، وفي الحالة الثانية، يعلو مفهوم الوطن بمعناه الضيق الذي يتمثل في الجيش، خاصة وأن السلطة المصرية تتدخل في جميع المهرجانات الدولية التي تقام في مصر، فتخضع أفلامها للرقابة، وتعتبرها ملكا لها، سواء حصلت على دعم منها أو لم تحصل، ولذلك يحرص وزير الثقافة على افتتاح كل ما يقام من مهرجانات سينمائية، بما في ذلك التي لا تنظمها وزارته، ولا بد أن يصعد الوزير إلى المنصة، لكي يلقي خطبة طويلة حول دور السينما في “إعادة بناء الإنسان”.

لا يوجد اختلاف كبير بين ما يحدث في إيران وما يحدث في مصر، ففي إيران في خضم حالة “الهستيريا الدينية” المهيمنة، يصعد ممثلو السلطة الدينية إلى المنصة بأزيائهم التقليدية وعماماتهم يتناوبون على إلقاء خطابات تمتلئ بالعبارات الدينية، وكلما ورد في سياق خطاب المسؤولين ذكر رسول الله (ص)، إلاّ ونهض الحاضرون جميعا ليرددوا في نفس واحد “اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد”، وهو سلوك يرغم الحاضرين من الضيوف الأجانب، على الوقوف وهم يتطلعون حولهم في خوف ووجل دون أن يفهموا بالطبع، هل هم في حفل افتتاح مهرجان سينمائي أم في مسجد وسط حشد يستعد للصلاة.

أذكر أنه في حفل افتتاح أحد مهرجانات السينما (الدولية) التي تقام في مصر، احتفل المنظمون وقتها بمرور خمسين عاما على “ثورة” 23 يوليو 1952، فأعدوا احتفالية خاصة بنجوم السينما الذين كانوا في الأصل ضباطا في الجيش، ثم عرضوا فيلما وثائقيا حربيا من حرب أكتوبر 1973 في إطار تحية الضباط والجنرالات السابقين الذين تراصوا فوق خشبة المسرح، ووسطهم وقف “السيد اللواء المحافظ”، وفوجئ ضيوف المهرجان من الأوروبيين والآسيويين بما يحدث، وخصوصا بالفيلم الذي يمتلئ بقصف الطائرات الحربية، وهدير الدبابات، والقذائف المدفعية والصاروخية، وكأنهم أصبحوا فجأة وسط تظاهرة عسكرية: فعلى المسرح ضباط أو ممثلون كانوا ضباطا، وعلى الشاشة فيلم حربي تصحبه موسيقى عسكرية صاخبة.

لم يدرك المسؤولون عن المهرجان والاحتفالية أن هذا الاستعراض فيه إساءة كبيرة للمهرجان، فمعروف أن المهرجانات تقام عادة في أجواء مدنية من السلام والاسترخاء والأمن، لا في أجواء الحرب والعسكرة! وطرائف المهرجانات العربية كثيرة على أيّ حال، نكتفي بهذا القدر منها.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16