المهرجانات تقدم "ولائم مسرحية" يغيب عنها المسرحيون

المسرحي أنور الشعافي يرى عروض "الوان مان سو" هي ظاهرة طفيلية تنتعش من عوامل عديدة ربما هي موضوعية في ظاهرها، لكنها تؤخذ مثل كلمة حق يراد بها باطل.
الخميس 2019/07/11
المجتمع المدني جنى على المسرح التونسي

يمكن للفن أن تكون من بين رهاناته التسلية، لكن العكس غير ممكن، حيث لا يمكن للتسلية أن تتحول إلى فن. لكن ها هو المسرح التونسي الذي عرف بتميزه عربيا وعالميا يشهد ظاهرة خطيرة تتمثل في طفرة التسلية وتحول أعمال تهريجية بحتة إلى مسرحيات وأناس لا علاقة لهم بالمسرح إلى مسرحيين، كل ذلك بدعم من عدو المسرح الأول التلفزيون التجاري الذي أنتج بدوره عروضا تجارية فضفافة لا محرك لها إلا الشهرة المفتعلة. “العرب” التقت المسرحي التونسي أنور الشعافي في حديث حول واقع المسرح التونسي اليوم.

اللافت في عروض مهرجان قرطاج الدولي هذا العام، وكذلك بقية المهرجانات الصيفية التي تحتضنها جميع المحافظات التونسية على مختلف بلداتها، وحتى مناطقها النائية، هو حضور “المسرح”، ولكن أي مسرح؟

المتابع “البريء” وغير العارف بخفايا الأمور وأسباب هذا الاحتفاء الزائد على اللزوم بالفن الرابع، يظن أن في هذه الظاهرة، أسوة حسنة، ينبغي أن تستمر في بلد يُغدق فيه الكثير من المال العام على المسرح والمسرحيين رغم أزماته الاقتصادية، لكن المعنيين بالاختصاص -وغالبيتهم من غير المدعوين لهذه “الوليمة المسرحية المزعومة”- يعلمون علم اليقين أن ما وقعت برمجته باسم المسرح، لا يعدو أن يكون عروضا ممسوخة من صنف “الوان مان شو” أو “الستاند آب كوميدي” تعتمد التهريج والإضحاك الشعبوي الرخيص لأشخاص تنكروا في هيئة مسرحيين مستغلين ظهورهم في قنوات تجارية، يمثل الفن آخر اهتماماتها.

الوان مان شو

المخرج والباحث المسرحي التونسي المعروف أنور الشعافي، يرى أن هذه الظاهرة الطفيلية تنتعش من عوامل عديدة ربما هي موضوعية في ظاهرها، لكنها تؤخذ مثل كلمة حق يراد بها باطل. وشرح الشعافي منطلق الداء ومنبته بقوله إن من أهم هذه العوامل أن أغلب المسرحيين الحقيقيين، يتفادون تقديم عروضهم في المهرجانات الصيفية لاعتبارات فنية تتعلق بالظروف التقنية لفضاءات العروض التي تكون في غالبيتها مرتجلة تغيب عنها المستلزمات التقنية اللازمة، وقد لا تتوفر في بعضها الظروف الأمنية المناسبة فأغلب المهرجانات في المدن الداخلية تقام في ساحات مفتوحة، علاوة على أن المسرحي، وإن قبل بالعرض في هذه الظروف غير الاحترافية، فإن مديري المهرجانات يتفادون برمجة العمل الجاد، حتى وإن كان مدعّما من وزارة الشؤون الثقافية، وذلك بدعوى عدم إقبال الجمهور الصيفي على هذا النوع المسرحي.

أنور الشعافي: المسرح استبيح ليمارس ممن هب ودب، وتغيرت المقاييس تحت شعارات تبدو في ظاهرها مدنية وديمقراطية
أنور الشعافي: المسرح استبيح ليمارس ممن هب ودب، وتغيرت المقاييس تحت شعارات تبدو في ظاهرها مدنية وديمقراطية

وفي المقابل -يضيف المخرج التونسي- يسعون إلى برمجة ما يسمى بعروض “الوان مان شو” وشرائها بأثمان مرتفعة لأنها تُحظى بإقبال كبير، خاصة إذا كان أصحابها قد اكتسبوا شهرة بظهورهم في القنوات التجارية المروجة لثقافة ساذجة وسطحية فتصبح، عندئذ، نموذجا يُحتذى به. ويتابع الشعافي “ساعتها، ينحدر الذوق الفني إلى أدناه ويتراجع المسرح الجاد ويتحول إلى بضاعة غير مرغوب فيها”.

ويضيف الباحث والأكاديمي التونسي الذي ارتبط اسمه بأعمال مثيرة للجدل منذ ما يقارب الثلاثين عاما، “يكفيك أن تظهر في مشهد صغير في قناة فرنسية ومشاركة في مسلسل رمضاني حتى تصبح جديرا بتقديم ما يشبه العرض في أهم وأعرق مهرجان تونسي وهو قرطاج وأرقى فضاء ثقافي وهو قصر العبدلية في ضاحية المرسى”، مستشهدا بنموذج شاب كان قد اشتهر لدى البسطاء في تونس عن طريق برنامج ألعاب في قناة تجارية. ويعقّب الشعافي بقوله “وجد هذا الشاب طريقه سريعا إلى خشبة الفن النبيل.. والحقيقة أن هذا الشاب -الذي مثله كثيرون- لا هو بالممثل ولا هو بمذيع برامج ترفيهية، لم يشارك في حياته بعمل مسرحي جاد.. وسيتلقّى هذا الشخص أجره من مال المجموعة الوطنية مقابل سلعة مغشوشة وفن هابط”.

وطالب الشعافي الذي في جعبته العديد من الأعمال المكرمة محليا وخارجيا، النقابة الوطنية المستقلة لمحترفي مهن الفنون الدرامية (الهيكل النقابي الوحيد الموجود) بأن يتخذ موقفا واضحا وتحرّكا ناجعا لا أن يبقى صامتا إزاء ما يجري من انتهاك في حق فنله عراقته ورجالاته ومناضلوه في هذا البلد.

وحذر المسرحي التونسي المعروف بغيرته الشديدة على الفن المسرحي بتونس من جمعيات مشبوهة تقاطرت كالفطر بعد 2011 وتجرّأت على الفن الرابع “فركبت حصان طروادة المسرحي في غياب الهياكل والنقابات المُدافعة عن المهنة”. ويضيف صاحب المشروع التجريبي المتميز في المسرح التونسي “إن كان لهذه الجمعيات من دور، فهو ينحصر في تحقيق مكاسب مادية للقطاع، وهذا على أهميته، ليس هو المعركة الحقيقية في هذا الظرف لأن المسرح فعلا أصبح مهدَّدا في وجوده وماهيته”.

استباحة المسرح

ويُذكر أنه قد راجت في تونس على مدى السنوات الأخيرة، ظاهرة ما يعرف بـ“الوان مان شو” وهو نمط تؤديه شخصية واحدة، ويمزج بطريقة هجينة بين التقليد ورواية النكات والغناء أحيانا، وسط جمهور من طالبي التسلية والضحك لأجل الضحك بطريقة استهلاكية لا تتطلب أي جهد. وتنبغي الإشارة هنا إلى الفرق الشاسع بين هذا النمط التجاري الذي لا هدف له إلا تسلية أصحاب الذائقة المتواضعة وبين فن المونودراما العريق (منذ المسرح الإغريقي) والذي هو ببساطة، عبارة عن مسرحية منتهية الأركان ومكتملة الشروط، ولكن يؤديها ممثل واحد على الخشبة.

ويتفق أنور الشعافي مع الرأي القائل بأن انتشار هذا النمط الذي ينسب نفسه إلى المسرح دون بحث أو جهد تجريبي أو أدنى سعي لتطوير المضمون الدرامي قد لاقى استسهالا لدى من لم يكلف نفسه حتى الاطلاع على تجارب ذات قيمة فنية عالية سبق لها أن قدمت هذا الفن على خشبات المسارح التونسية مثل ما سبق أن قدمه فنانون متميزون كمحمد ادريس ونورالدين عزيزة وناجية الورغي. وأسباب هذا الاستسهال عديدة تتمثل، بالإضافة إلى الكسل الإبداعي الذي يولّد جرأة متعجرفة، في التهافت نحو الربح المادي السريع الذي يجد بدوره صدى لدى منظمي المهرجانات.

انتشار نمط ينسب نفسه إلى المسرح دون بحث أو جهد تجريبي أو أدنى سعي لتطوير المضمون الدرامي

ويفرد أنور الشعافي في ملف بحث حمّله عنوان “جناية المجتمع المدني على المسرح التونسي”، رأيا يبرز فيه كيفية تسلل بعض الدخلاء على المهنة بعد 2011 تحت يافطة الحرية في التعبير، والتي كان فيها شعار المجتمع المدني مطية لخدمة مصالح وأجندات، لا تكترث لحال المسرح التونسي وسمعته في المحافل العالمية، بقدر ما تسعى لخدمة مساعي ومصالح من مولها.

وفي هذا الصدد يقول الشعافي “استُبيح المسرح وأصبح مُمَارسا ممن هب ودب، وغُيِّرت المقاييس تحت شعارات تبدو في ظاهرها مدنية وتروم بناء المجتمع الديمقراطي، لكن ظاهرها مدعّم ببرامج مرسومة من الخارج، تضخّ أموالا طائلة توفرها منظمات غير حكومية حتى أصبحت الغاية هي الانتماء إلى هذه الجمعيات وليس إلى المسرح”.

15