المهمة والواجب في الأدب

الثلاثاء 2015/10/06

يحيل بعض الكلمات إلى معان سعت السلطات الشمولية الدينية والسياسية إلى تكريسها بالتقادم، وفرّغتها من محتواها، كمعظم الشعارات التي رفعتها، وأبقتها جوفاء باعثة على التندّر لشدّة تكرارها، بحيث قلبت المعاني إلى أضدادها، وباتت الكلمات حافلة بالنقائض، ومشيرة في وجدان كثيرين إلى عكس ما يراد منها.

كرّرت تلك السلطات لازمة الالتزام والإلزام في الأدب، وأوحت أنّ الواجب يفرض على جميع الأدباء تبنّي شعاراتها، ووضعها منهاجا لهم في أعمالهم، بحيث تسعى بذلك إلى تحجير عقولهم، وتوجيههم صوب الوجهة التي تريد، بعيدا عن إعمال الفكر والعقل والنقد، حوّلت الواجبات إلى مهمّات محدّدة، رسمت خطوط التحرّك، تلك التي تبتعد عن تشريحها ومناقشة ممارساتها بحقّ البلاد وأهلها، وجرّمت أيّ مقاربة لذلك.

أوحت تلك الشموليّات بأنّ الواجب يحتّم على الأدباء السير وراءها، وتأجيل الاهتمامات الأخرى إلى حين انجلاء الأمور، وتحقيق الانتصارات، في الوقت الذي كانت تضخّم من أدوارها الشعاراتيّة، ولا تتورّع عن التنكيل بالمبدعين، تحت زعم حماية الدين تارة، والوطن تارة أخرى، وزعم استئصال مَن يسعى إلى بثّ الوهن في جسد الأمّة بأعماله وممارساته.

كما سعت إلى إلزام الأدباء بمفهوم الالتزام في الأدب، ولا يخفى أنّ المفهوم يفقد معناه حين يأتي من جانب الفرض والإلزام، ويناقض نفسه في جوهره، ذلك أنّ قوّة الفكرة تأتي من الجانب التطوّعيّ فيها، ومن النقطة التي يشعر فيها المرء بأنه يؤدي واجبا ملقى على عاتقه، لا مهمّة يكلف بها، وينتظر ثناء عليها.

فصل الجزائريّ مالك حداد في مقال له بعنوان “الشقاء في خطر” بين الواجب والمهمّة، واستعاد جانب الالتزام والإلزام في حديثه، مبيّنا أنه يقوم بواجبه، ولا يؤدّي مهمة أثناء دفاعه عن شعبه وقضاياه، تراه يقول “ليس هناك أجملُ من الحرية.

بيد أنه، ومن أجل أن يستحيل التاريخ إلى قصص بطولية، علينا أن نختارَ أيضا بين القيلولةِ تحت ظلّ شجرة، وبين تلك الأغنية الجريئة. وفي تشريح المعجم الغريب، كلمتا: مهمّة وواجب، شريكتان. عليّ أن أقوم بواجباتي. ليس لديّ مهامّ لأنفّذها”.

لا يخفى أنّه إن لم يشعر الأديب أنّه يؤدّي واجبه، ولا ينهي مهامّ محدّدة تمّ تكليفه بها، فسيظلّ عمله مرتهنا لأوامر المتحكّمين به، وسيتحوّل إلى روبوت يتحرّك بناء على توجيهات ترده ممّن يتحكّم به، بحيث يتبدّى كلعبة يقودها جهاز تحكّم يشوّه أيّ جمال مفترض، ويسيء للقضايا التي يربطها بانتهازيّات بائسة.

كاتب من سوريا

15