المهمشون يكشفون زيف التاريخ في "خنادق العذراوات"

الثلاثاء 2014/02/25
بناء الرواية مثير ويضفي طابعا بوليسيا على السرد

القاهرة- وجدي الكومي كاتب مصري من مواليد 1980، يعمل بالصحافة إلى جانب ممارسته الكتابة الإبداعية صدر له من قبل رواية «شديد البرودة ليلا»، ثمّ «الموت يشربها سادة»، ومجموعة قصصية بعنوان «سبع محاولات للقفز فوق السّور»، وأخيرا رواية «خنادق العذراوات». في كتابته يبدو وعيه بالتاريخ، وتوجسّه من المستقبل في ضوء معطيات هزائم وأخطاء الماضي.

في مغامرة سردية تعتمد على الإثارة والمتاهة يقودنا الكاتب وجدي الكومي في روايته «خنادق العذراوات» الصّادرة عن دار السّاقي 2013، عبر خطاطة سردية تمزج بين واقعية القاع في سوداويته والتاريخي في مفارقاته وإدهاشاته، إلى عالَم الهامش بكونه شاهِدا على فداحة الواقع وقسوته، وتزييف التاريخ وانتكاساته، ومُشَاركا في انهيار الاقتصاد القومي، عندما يتحالف مع قوى الشرّ من أجل الصّعود السّريع، أو البقاء حتى ولو كان على حساب شرفاء، بتلويثهم، أو ببيع أجسادهم لمن يدفع.


"نادية" الصدفة


تبدأُ الرِّوَايَّة مِن نقطة مفارقة لأحداثها، فالحدث الرئيس يؤخِّره السَّارد إلى الثلث الأخير مِن الرِّواية، تاريخ إنشاء مصنع “البيرة” إلى خصخصته وبيعه في تسعينات القرن الماضي. في إشارةٍ إلى أنَّ المقدمات السَّالفة هي المؤدية إلي الحدث الجوهري، فيتخذُ السَّارد مِن علاقة المقاولين الثلاثة بجارهم مراد الطَّالب في الجامعة، والمرَاقِب لأفعالهم خاصّة زيارات النِّساء المريبة، خيطا للربط بين شخصية نادية التي يُغمى عليها عندهم، والأحداث الكبرى التي سيكون مقرّها مصنع “البيرة” وخنادقه.

كما يكتسب بناء الرواية قدرا مِن الإثارة وهو ما يُضفي طَابعا بوليسيّا على السَّرد، حيثُ يَبدأُ النَّص مِن غموض الرَّسائل المتلاحقة التي تتعقبُ حياة الدكتور مراد العائد مِن البعثة لتوِّه، وحكاية الطَّالب والطَّالبة اللذين يستفز سلوكهما الأستاذ فيتعقبهما لكنه يَفشل في النهاية، ثم ينفصل السَّرد إلى تفريعات عديدة منها ماضي مراد ذاته منذ أنْ مات أبوه وتركه مع أمه ثمّ وفاتها وطرده من الشّقة وعمله في محل تنجيد “أنتريهات”، مع دراسته الصَّباحية في الجامعة، إلى حكاية نادية وأمها التي انتقلت من قرية «محلة مرحوم» بالغربية، وممارستها البغاء، لينفتحَ السَّرد على مسارات أخرى، كعلاقة زوج نادية بمظاهرات الأمن المركزي، في سلسلة مِن المؤامرات التي لا تبدأ عند هذه الاحتجاجات أو حتى الوصول إلى بيع مصنع “البيرة” الذي اتخذه السَّارد بؤرة مكانية للرواية إلى عودة أسواق النخاسة وفق مصطلحات جديدة، والتي مورست في خنادق المصنع، وهو ما كشف عن عنوان الرواية المُلْغز في نهاية الرواية، مرورا بالفساد الجامعي وانحدار أخلاق بعض الأساتذة بإدمانهم المخدرات تارة، وانزلاقهم إلى التحرّش بالطالبات وتسريبهم للامتحانات تارة ثانية، وهي ظاهرة رغم قلتها ومحدوديتها إلا أن هذا لا يمنع من حدوثها، كما يُنكر البعض.


تاريخ من الهزائم


هكذا تأخذنا تفريعات كثيرة أكسبت النَّصَّ زخمًا بترابط الأحداث بين الحاضر (لحظة الانتخابات الرئاسية)، والماضي البعيد (تاريخ الهزائم المتلاحقة: ثورة الشعب على خورشيد باشا وما أعقبها من هزيمة بفضل رجال الدين والمشايخ الذين سلَّموا مقاليد الحكم لصول ألباني، وفشل ثورة 1919 بعد انقسام رفقاء النضال سعد زغلول وعدلي يكن) إلى ماضٍ قريب (مظاهرات الخبز 1979، ومظاهرات الأمن المركزي 1986، وهزيمة الوزير أحمد رشدي أمام مافيا المخدرات، والعصابات التي خرّبت الاقتصاد)، إلى الوقت الرّاهن حيث هزيمة الثوّار بعودة الوجوه القديمة طالبة السُّلطة.

وما بين إدانة للماضي وفجيعة في الحاضر تتحركُ شخصيات العمل بما فيها الدكتور رمضان الذي ربما يعود جزءٌ كبيرٌ من شخصيته وأفعاله وتناقضها لصدمته في الماضي والتاريخ الذي يُدَرِّسُه، ومع كل هذا فإشكاليته تبرز في سخريته مما يُدَرِّسُه، وبها يعلن موقفه الرَّافض لهذه الأكاذيب التي يصرُّ عليها المؤرخون، ومِن جانب آخر فمع تأففه من المظاهرات التي يأتي إليه صوتها وهو يدرِّسُ لكنه يضيف لدرسه قِصصا عن الشّعوب التي ناضلت بالتظاهر، مِن أجل استرداد حقوقها

البطل مضطرب ومشتت، وهو ضحية مثل باقي جيله الذي طاله التهميش والنهب

.

كما أن التناقض ليس حِكرًا عليه فقط، بل يشمل جميع الشّخصيات، وعلى رأسهم مراد في علاقته بالدكتور رمضان ثمّ علاقته الأهم بنادية التي تحوّلت من مجرد منقذ لها من الموت، إلى عشيق لها ثم معاون لها في تجارتها الحشيش، إلى شخصية وفاء وما صاحبها من تغيُّر من فتاةٍ جامعيةٍ متفوِّقة، أهلَّها لأن تكون معيدةً ثمّ تخليها عن وظيفتها من أجل دموع زوجها، واكتفائها بدور المنقذ الذي لعبته في حياته، وانتشاله من عالَم المخدرات ومساعدته في دراسته وإنقاذه من السقوط، وكتابتها لرسالته، وتدريبه على مايقول في المناقشة، انتهاء بها إلى امرأة شكّاكة ينفرُ منها الزوج، ومن مراقبتها له وتفتيشها لحاسوبه في البيت، وشكايتها لأستاذه، وانتهاء به من أفعالها لمراودة نادلات المطعم والطالبات.

على الجانب الآخر يبدو البطل وكأنه مُضطرب، مشتّت ضحية مثله مثل جيل كامل وقع ضحية التهميش الذي مارسته الدولة والنهب الذي مُورس على ممتلكاته علاوة على أكذوبة التاريخ الذي يَدْرسهُ وَيُدَرِّسه حيث القصص الملّفقة، والأحداث الناقصة غير الحقيقية، وهذا التشتت مصدره تلك الصدمات التي انتابته من واقعه، وصدمته في كتب التاريخ وما يكتبه المؤرخون عن التاريخ كأن يصف الرافعي أن ما فعله محمد علي في القلعة بالسقطة، والدهشة من تتويج العلماء ومشايخ الأزهر له حاكما بإلباسه العِمَّة الشريفة، وأيضا من واقع المحيطين به؛ كما حدث مع نادية وهي تحكي كيف قادتها أمها خلفها مثل المعيز لتبيعها في السوق، أو صدمته في أستاذه الدكتور رمضان وهو يغلق سوسة بنطلونه إلى صدمته فيه مرة ثانية، وهو يراه يجلس في غرزة إبراهيم سالم، إلى الصدمة الكبرى في إبرهيم وهو يبرر رؤيته لزوجته في أحضان الآخرين.


روايات المهمشين


ثمّة أجواء من السّخرية، تنتشر في النص مِن الواقع والتاريخ معا، وهي بمثابة تحايل على فداحة الواقع وكذبه، فالرواية الصحيحة للتاريخ لا تأتي من الدكتور رمضان أو حتى مراد، وإنما تأتي من جانب الهامش ممثَّلا في شخصية نادية، فحكايتها بمثابة ترميم لثغرات التاريخ بإعادة الروايات المجهولة التي لا نعثر عليها في كتب التاريخ مثل أسباب مظاهرات الأمن المركزي، فلم تكن كما أُعْلن وإنما كانت بسبب السعي للتخلص من وزير الداخلية، وحتى وإن شابه هذه الرواية الدليل، إلا أن ذكرها يعني أن ما على السطح مجرّد رتوش، خاصة لو ربطنا ما ذكره المؤلف من عملية البيع المتكرر لمصنع “البيرة” حتى بيعه النهائي لشركة هولندية فنحن نصبح إزاء روايتين، الظاهرة مع الأسف غير حقيقية، لذا نسعى إلى تحقيق جمع الروايات الهامشية.

يُحْسَبُ للمؤلف تقديمه للنَّصِّ كأنَّه أشبه بلوحات سردية، ومشاهد مكثَّفة معبِّرة بعيدة عن المط والتطويل، ومُتحكمًا في النقلات السَّردية السريعة عبر عمليات التقطيع التي كان يمارسها داخليا أثناء الحكي، وإن شابه بعض الهنات كافتقاد الترتيب الزمني أو المدة الزمنية، خاصة في إشارته للحظات غيابه ثم ظهوره لوفاء مرَّة ثانية، أو في عدم تقديم مُبرِّر قوي على تضحيات وفاء لمراد. ومع هذا فقد جاء النص متدفقًا عبر لغة سلسة عذبة خالية من الزوائد، وسرد مشوِّق لاهث بتوافر عناصر الإثارة حيث التشابُّك السَّردي للأحداث وما أتبعه مِن ترقّب وترصّد، ومفاجآت في النهاية. كل هذا يشيرُ إلى أننا أمام روائي مُقتدر ننتظرُ منه المزيد، صاحب رؤية في الطرح، ناتجة عن وعيه وإلمامه بتفاصيل دقيقة عن ماضيه وربطه الحاضر بالماضي، وهو ما انعكس على عمله الذي حمَّله رؤية تتجاوز زمنه الإطار أو الزمن الفعلي الذي دارت فيه الأحداث إلى زمننا الرَّاهن، لو تدبرنا.

14