المهنة شبح

السبت 2016/08/27

إنهم بيننا. قد لا نعرفُ أسماءَهم. لكن رائحة أسلوبهم ولغاتهم وأحلامهم تنبعثُ من بين صفحات كُتب الآخرين، سواء تعلق الأمر بزعماء سياسيين أو أبطال رياضيين أو مشاهير الموضة أو كُتاب في بداية مسارهم أو مكرسين.

إنهم ببساطة، الكُتاب الأشباح، حسب التسمية الإنكليزية، التي تتجنب الإيلام في الصيغة الفرنسية التي كانت تُفضلُ مصطلح “الزنجي الأدبي”، كناية عن العمل من أجل الآخر دون الحصول على الاعتراف.

والحقيقة أن ظاهرة الكُتاب الأشباح صارت، في الغرب، جزءا من مشهد الكتابة وأحد توابل قطاع النشر الذي يمْكن أن يخلف وراءه الكثير من الحوادث اعتبارا لديناميته المتسارعة. ويبدو أن شرط الكتمان والتحفظ الذي يطبع عمل الكُتاب الأشباح لم يحل دون انتباه القراء والنقاد إلى آثارهم. ولعل أشهر الحالات في التاريخ الأدبي الفرنسي، على سبيل المثال، تكمن في التعاون المريب الذي كان بين الروائي ألكسندر دُوما والمؤرخ أوغوست ماكيت، حيث يكشف النقاد عن استعمال دوما لمقاطع طويلة من كتابات ماكيت، في روايتيه “الكونت دي مونت كريستو” و”الفرسان الثلاثة”، اللتين جعلتا منه أحد أشهر كُتاب فرنسا، بينما ظل ماكيت رهين الظل. في سنة 2002، تمت إعادةُ دفن ألكسندر دُوما بمقبرة البانتيون المخصصة لكبار رجالات فرنسا، بقرار من الرئيس الفرنسي، وذلك جنب فيكتور هيغو وفولتير وزولا. الكاتبة الفرنسية رِجين دِيفورج علقت على الحدث مؤكدة أن أوغوست ماكيت كان يستحق بدوره مكانا صغيرا بالبانتيون، جنب شريكه دُوما.

حكاية علاقة ألكسندر دوما بشبحه ستكون أيضا موضوعا للفيلم الفرنسي “دوما الآخر”، الذي كان قد أخرجه صافي نِيبو. ويُعتبر ذلك امتدادا للإغراء الذي كان وراء عودة عدد من الأفلام السينمائية إلى موضوع أشباح الكتابة، ومن ذلك فيلم “لستُ أنا، إنه هو” لبيير ريشار، وفيلم “الكاتب الشبح” للمخرج البولندي الفرنسي الشهير رومان بُولَنسكي.

الكُتاب الأشباح أشبه بالنساء اللواتي يتخلين، مكرهات أو بمحض إرادتهن، عن أبنائهن، مع إحساس، في غالب الأحيان، بغير قليل من الذنب. وكما يحدث لبعض من الأمهات، قد يطالبُ البعض من الكتاب الأشباح بإثبات أبوتهم الشرعية. ذلك ما فعله الكاتب الشبح لو دورون، الذي قلب الطاولة على مُسخره السابق، الكاتب الفرنسي المعروف بول-لو سولِتزر، حيث قرر توقيف تعاونه معه ليصدر أعمالا تحمل اسمه، ومنها روايته “دادي” التي حققت مبيعات تتجاوز الثلاثة ملايين نسخة، مع التشابه الكبير بين أعمال الرجلين. شبحٌ آخر كان أكثر رحمة، حيث نشر روايته “المهنة زنجي”، قبل سنوات، من دون توقيع ومن دون ذكر أسماء مسخريه.

يندُر، خارج نميمة المقاهي، أن تخرجَ إلى العلن حكاياتُ الكتاب الأشباح على مستوى المشهد الثقافي العربي. ليس لأن المشهد خال منها، ولكن لأنها تتقن التخفي، من باب العمل بمقولة “إذا ابتليتم فاستَتِروا”.

كاتب من المغرب

17