المهنة: صديق

الأحد 2016/04/24

أعرف شخصا يتقن احتراف الصداقة بشكل مذهل، إذ غالبا ما يبتهج لفرحي إلى درجة الاحتفال (على حسابي الخاص طبعا)، ويحزن لأتعابي إلى حدّ البكاء بحرقة، حتى أنّي صرت غالبا ما أربّت على كتفيه، أكفكف دمعه وأهدّئ من روعه ناصحا إياه بضرورة النسيان والتجاوز، مذكّرا بأنّ الأمر لا يستحقّ كلّ هذه “المشاعر".

اكتشفت "مهنيّة صديقي" حين ضبطته وبالمصادفة "متلبّسا بالصداقة" في "مهمّة تعاطف" مع الشخص الذي كان يشاركني منذ قليل التعبير عن اشمئزازي وغضبي منه.. وبنفس العبارات التي لم يغيّر فيها سوى الاسم، حتى أنّي أكملت لـ"غريمي" نفس الجملة التي همّ بقولها في غيابي، فضحكنا وتصالحنا وتسامرنا، وكان "الصديق" ثالثنا.

مازلت أتّخذه صديقا لأنّي "حفظته" عن ظهر قلب، ولم أجد لصداقته من بدّ، ثم إنه يمتاز بحسّ الطرافة ويذكّرني بالشخصية التي يلعبها عبدالسلام النابلسي في مرافقة “البطل العاشق” بالأفلام المصرية، حين كانت الحياة واضحة دون تلوّن، بسيطة وأنيقة بالأبيض والأسود.

عادة ما يكون العاشق الرومانسي في معاناته العاطفية متجهّما، متلبّد المشاعر ومتثاقلا إلى حدّ السماجة والبلاهة، فيستعين بصديق على سبيل الاستشارة وتطرية الأجواء والحفاظ على “همزة وصل” مع الحبيبة النائمة في قصرها المسحور.

ينطبق الأمر على الشباب كما البنات، فلكلّ فتاة عبدالسلام النابلسي الخاص بها أيضا، ويكون في صيغة المؤنث أو حتى المذكّر، كما حدث مع إحدى الصديقات التي دأبت على الاختلاء بنفسها صحبة سائقها الخاص في أعلى الجبل المطل على المدينة، كلّما عاشت قصة حب فاشلة.

هاتفتها ذات مرّة لتذكيرها بموعد عمل فردّ عليّ السائق بحشرجة تحسّست فيها حرارة دموعه، وقال "نحن فين وأنت فين! اتركنا يا رجل، اللّي فينا يكفّينا"، وأغلق "سكريتيرها العاطفي" خط التليفون في وجهي، وتركني في حيرة من أمري.

ما تفسير هذه "النحن" التي يتحدّث بها؟ وكيف يصل به "الإخلاص المهني" حدّ التفاني والتماهي في الشأن الشخصي والعاطفي لغيره؟ وهل لديه أسرار تخصّه؟

أمّا الأغرب من ذلك كله هو أنّي اتصلت بالصديقة بعد فترة وجيزة، وكنت أريد تهنئتها بالخطوبة الجديدة والسؤال عن “العريس العتيد”، فردّ عليّ مرة أخرى “أمين سر مكتبها العاطفي” بذات الحشرجة والصوت المنكسر، قائلا “نحن فين وأنت فين! اتركنا يا رجل.. اللّي فينا يكفّينا”.

أعرف والله أنّ الصداقة عزاء الحياة، وأن لا وجود لاثنين دون ثالث، حتى وإن كان عذولا أو شيطانا بشريّا أو حتى صديقا محترفا كصديقي الذي ضبطته هذه المرة متلبّسا بالرومانسية مع صديقته، فسحبت كرسيا وجلست إليهما، وأنا أحاول أن أخدمه وأقوم بدور عبدالسلام النابلسي على أكمل وجه ثم تعشينا الأربعة، أي مع “نابلسيّة” صديقته التي انضمّت بدورها إلينا، وتفرجنا على المسرحيّة الشهيرة “خادم السيدين”.

24