المهنة كاتب

إنها الأرقام التي تعني أن التعويل على العيش بفضل الكتابة يقود الكاتب إلى ما تحت سقف الفقر، وذلك حتى في سياقات البلدان التي تحقق تراكمات على مستوى الكتابة والنشر.
السبت 2018/12/22
صار عاديا أن تضم قائمة فوربيس أسماء من بين الكتاب الذين يحققون ثروات بفضل الكتابة (لوحة: رشوان عبدلكي)

يبدو من المفارقة ألّا تستطيع الكتابة أن تخلق مهنتها الخاصة، وهي التي راكمت قرونا من الممارسة وأعدادا غير متناهية من القراء، مع تجريب كل أنواع الطباعة، ابتداء من الخشبية منها إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد، ومعها تقنيات النشر وصناعتها، والتي ظلت دائما في خدمة الكاتب وكتابته.

كما يبدو مدهشا أن الأمر لا يتعلق فقط بسياقات بلداننا العربية، حيث تمتد أجنحة الهشاشة لتغطي كل حلقات صناعة الكتاب والنشر ومعها وضع الكاتب، سواء المادي أو الاعتباري، بل يكاد يشمل كل التجارب الإنسانية، وذلك خارج بعض الحالات الاستثنائية. إذ تكشف آخر دراسة ميدانية، وهي تهم وضعية الكُتاب ببلد كبير ككندا، حيث تحقق صناعة النشر تطورات مذهلة، عن نتائج محبطة.

ونجد من المفاجئ أن مداخيل تسعين في المئة من كُتاب البلد تقل عن الخمسة دولارات يوميا، وهو مبلغ يكفي بالكاد لاقتناء جريدة، مع الجلوس في مقهى عادي. وهو الوضع الذي دفع اتحاد كتاب الكيبك العريق إلى دق ناقوس خطر انقراض الكُتاب بالمنطقة، حيث تشكل الكتابة، خصوصا باللغة الفرنسية، شكلا من أشكال هوية الكيبكيين.

ولا يختلف الوضع عن بلد أعرق، على مستوى النشر، كبريطانيا، حيث يكشف تقرير لجريدة التلغراف عن كون كاتب فقط من أصل عشرة كتاب يستطيع أن يعيش حياة متواضعة، بفضل مداخيل الكتابة.

إنها الأرقام التي تعني أن التعويل على العيش بفضل الكتابة يقود الكاتب إلى ما تحت سقف الفقر، وذلك حتى في سياقات البلدان التي تحقق تراكمات على مستوى الكتابة والنشر. ولذلك، لم تتحول إلى حد الآن صورة الكاتب في متخيل أغلب القراء وجمهور الكتابة، باعتباره زاهدا عن الحياة، أو غارقا وسط الكتب والأوراق، أو مهموما بإشكالات الكون. وهو التمثل الذي يقويه ارتباط التجارب الإنسانية الكبرى بكتاب عاشوا الحرمان المدقع أو تسللت ثيمة الفقر إلى أعمالهم. من منا يستطيع أن يستحضر السياب، على سبيل المثال، دون أن يتخيل جنازته التي حضرها بالكاد عدد قليل من أهل قريته والتي كانت تتويجا لحياة مليئة بالحرمان وبالفقر.

بشكل مفارق لكل ذلك، ثمة من الكتاب من يتنعم في الرفاه. إنهم أصحاب كتب البيست سلير، التي تشكل قلب صناعة الكتاب. وهو الأمر الذي يعكسه حكم الاستثمارات التي يتطلبها هذا النوع من الأعمال وطبيعة الفاعلين الذين يكونون وراءها، سواء تعلق الأمر بالمؤلفين أو دور النشر أو الوكلاء الأدبيين أو المختصين في تقنيات التسويق. ولذلك، صار عاديا أن تضم قائمة فوربيس لمليارديرات العالم أسماء من بين الكتاب الذين يحققون ثروات ضخمة بفضل الكتابة. وذلك في الوقت الذي صارت فيه أيضا العديد من دور النشر العربية تحترف تقنية الإعلان عن توالي طباعات أعمالها، ومنها ما يتجاوز الثلاثين. والعهدة عليها. وإن كنا لم نر بعد كتابا عربا أثرياء. إلا إذا كان البعض يختار التقية.

15