المواجهة الأميركية – الصينية القادمة في الشرق الأوسط

رغم ثقل أوزان اللاعبين تبرز الصين بمثابة القوة التي تنطلق من مشروع طرق الحرير الجديدة وتتمّم تمددها الجيوسياسي نحو هذه المنطقة.
الثلاثاء 2021/01/26
الصين تمثل التحدّي الأكبر لواشنطن عالميا

لم تتحقق الاستدارة الأميركية من الشرق الأوسط وأوروبا نحو آسيا والمحيط الهادئ، كما تصورت إدارة باراك أوباما. وحاليا بعد المسعى الترامبي إلى إعادة تركيب المشهد الإقليمي، ينتظر كل المعنيين بلورة وبدء نشاط الإدارة الديمقراطية الجديدة في أحد أبرز مسارح الصراع العالمي.

لكن بالرغم من ثقل أوزان اللاعبين الإقليميين وحجم واشنطن التاريخي والعودة الروسية والحضور الأوروبي والآسيوي، تبرز الصين بمثابة القوة التي تنطلق من مشروع “طرق الحرير الجديدة” وتتمّم تمددها الجيوسياسي نحو هذه المنطقة. ولذا لن تكون إدارة جو بايدن مضطرّة إلى خوض مبارزة ترتسم مع الصين في الشرق الأوسط حول المصالح والنفوذ والتوازنات العالمية الجديدة. ولأن الصين تمثل وفق العقيدة الاستراتيجية الأميركية التحدّي الأكبر لواشنطن عالميا، سيكون للشرق الأوسط نصيبه من اختبار القوة المفتوح بين الجانبين وما يرافق ذلك من تغيير في قواعد اللعبة الدولية.

من إدارة ترامب إلى إدارة بايدن، لن يكون هناك تغيير ملموس في مقاربة الصين، إذ إننا أمام نظرتين للعالم ورؤيتين أيديولوجيتين تتواجهان ولا تتقاسمان في المدى المنظور أيّ مخرج مشترك لتنظيم العولمة أو إعادة تشكيل النظام الدولي. والأدهى أن المشهد العالمي في حقبة جائحة كورونا يتخبط باضطراب متصاعد مع عودة سباق التسلح بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية ومن دون وجود حوكمة وضوابط في تنافسية لا ترحم إلى حدّ أن وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي حذرت من أن “الأزمة الوبائية أدّت إلى تفاقم السلوكيات العدائية على الساحة الدولية”. وبالفعل يشتد التجاذب الدولي على خلفية الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية وردود الفعل المتجهة نحو الانكفاء وإثارة النزعات القومية والطموحات الوطنية والفئوية.

وكان من اللافت في حصاد 2020 السنة الاستثنائية، أن اقتصاد الصين يتعافى ويسجل نموا وباقي القوى الاقتصادية الكبرى تغرق في الانكماش، حيث إن جائحة كوفيد – 19 والتداعيات الاقتصادية المصاحبة لها رجحت بالتأكيد كفة الصين في المنافسة الدولية. وحسب مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال (سي.إي.بي.آر)، ومقره في بريطانيا (وهو من المراكز الرائدة للأبحاث الاقتصادية)، كانت تداعيات وباء كورونا الاقتصادية لصالح الصين، مؤكدا أن “إدارة بكين الماهرة للأزمة ستجعلها الاقتصاد العالمي الرئيسي الذي سيتوسع في العام المقبل”. ووصل الأمر بهذا المركز الرصين ليتوقع أن “الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2028، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة، قبل خمس سنوات ممّا كان متوقعا في السابق”.

وعلى ضوء تعاظم حصة الصين في الاقتصاد العالمي وتوصلها في الأشهر القليلة الماضية إبان “الوقت الأميركي الانتخابي الضائع”، إلى اتفاقين ثمينين للتبادل التجاري مع آسيا ومع أوروبا (الاتفاق الأول في نوفمبر 2020 شمل 15 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادي ويضم 10 دول في جنوب شرقي آسيا إلى جانب الصين واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وأستراليا أي أكثر من ملياري نسمة، وثلث التجارة العالمية. والاتفاق الثاني في ديسمبر 2020 كان مع الاتحاد الأوروبي تحت قيادة ألمانيا وهو اتفاق شامل بشأن الاستثمارات بين الطرفين).

ونظرا إلى الموقع الصيني المترسخ في أفريقيا، سيكون الشرق الأوسط من مسارح التجاذب الأساسية بين واشنطن وبكين. ومن المنتظر أن تركز إدارة بايدن في الشرق الأوسط على إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران (وربما تحسينه) والعمل على استئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية. ويمكن لهذا الجهد أن يهز العلاقة الأميركية مع حليفين رئيسيين لواشنطن وهما إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

ن تكون إدارة جو بايدن مضطرّة إلى خوض مبارزة ترتسم مع الصين في الشرق الأوسط حول المصالح والنفوذ
لن تكون إدارة جو بايدن مضطرّة إلى خوض مبارزة ترتسم مع الصين في الشرق الأوسط حول المصالح والنفوذ

لكن القطبة المخفية ستكون في تجاهل نفوذ الصين المتنامي في الشرق الأوسط ، الذي يشكل تحديا جيوسياسيا رئيسيا لا يتم التنبه له مليا في واشنطن خاصة من جانب أركان إدارة أوباما العائدين إلى مراكز القرار، مع العلم أن الشرق الأوسط تغيّر كثيرا وأنه لا يمكن تجاوز إرث ترامب فيه بسهولة من جهة، ونكران آثار العودة الروسية والصعود الصيني التدريجي.

في السنوات الأخيرة من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تبلغ تكلفتها عدة تريليونات من الدولارات، استثمرت الصين في ميناء جوادر الاستراتيجي بباكستان (الممر بين طريق الحرير البرية وطريق الحرير البحرية نحو آسيا) بالقرب من الخليج وفي أول قاعدة عسكرية عالميا في جيبوتي عند مدخل البحر الأحمر. كما يفكر الصينيون في إنشاء قاعدة عسكرية في بورتسودان شمالا على البحر الأحمر (ليس بعيدا عن القاعدة العسكرية الروسية التي أقيمت حديثا)، ومنشأة بحرية في جيواني – باكستان على الحدود الإيرانية. وهناك أيضا المشروع المثير للجدل حول إدارة محتملة لمنشآت جديدة في الموانئ الإسرائيلية في حيفا وأشدود. وضمن هذه اللوحة قد تصبح أفغانستان ذات يوم خطا فرعيا لطريق غرب الصين وممرَّ الحزام عبر باكستان إلى بحر العرب.

وحسب لغة الأرقام، فالصين هي الشريك التجاري الرئيسي للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. تستثمر الصين مليارات الدولارات في مصر وربما مليارات أخرى كجزء من اتفاق استراتيجي تقول إيران إنها أبرمته معها ولم تؤكده الصين بشكل قاطع.

تسقط العوائق الجغرافية أمام الصين عبر استخدام القوة الناعمة والإمكانيات الاستثمارية، ويراهن الصينيون على أن نظام الطرق والسكك الحديدية والموانئ الذي يبنونه في الشرق الأوسط سوف يمنحهم يوما ما يدا قوية في أوروبا وشرق آسيا، ناهيك عن شرق أفريقيا. وهذا يجعل العالم أكثر ترابطا ويسهل تمددهم الاقتصادي.

ولا نلمس تفكيرا شموليا على نفس المستوى في واشنطن التي تعتمد على التحالفات سبيلا لمواجهة الصين في وقت تمكنت فيه بكين في الشرق الأوسط من تحقيق اختراق كبير عند حلفاء أساسيين لواشنطن، حيث لا تنحاز بكين إلى أي طرف وتبدو مرتاحة للعمل مع إيران وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وأخيرا مع تركيا.

والبارز في النهج الصيني عدم التدخل في شؤون الدول والتركيز على الاستقرار وطريقة رابح – رابح ظاهريا أي أنه بدلا من الترويج لرؤية ما يتبنى الصينيون نهجا توسعيا لصالحهم في المقام الأول وفيه تخصيص قسم من الفائدة تجاريا. عبر المال والوسائل المتاحة. أي أن الثورة الرقمية والإنجازات الاقتصادية كلها تصب لخدمة التوسع الصيني. وأخيرا تبين أن المملكة العربية السعودية كانت أول مصدّر للنفط إلى الصين في 2020 وقد سبقت روسيا، أما دولة الإمارات العربية المتحدة فكانت أول من استخدم اللقاح الصيني ضد كورونا.

يطالب بعض الاستراتيجيين الأميركيين أن تقتدي واشنطن ببريطانيا التي كانت تعمل على منع أي قوة من السيطرة على أوروبا القارية. وذلك بالعمل على منع أي قوة من الهيمنة على الأفرو-أوراسيا، وهو ما أطلق عليه العالم الجغرافي البريطاني ماكيندر “جزيرة العالم” (أي قلب العالم) لأنه من خلال ربط أوروبا بشرق آسيا عبر الشرق الأوسط، ستعمل الصين في النهاية على تطوير قدرتها على تهديد أميركا الشمالية اقتصاديا وعسكريا. هذا حسب هؤلاء وهو في النهاية هدف الحزام والطريق. وعلى إدارة بايدن مواجهته ومنعه قبل فوات الأوان، مما يعني أن الشرق الأوسط سيبقى في مخاض الصراعات بالوكالة وتصفية الحسابات ضمن الثلاثي العالمي القيادي (الولايات المتحدة، الصين وروسيا).

البعض في واشنطن يذكر بنصيحة المنظر الأميركي الاستراتيجي زبيغنيو بريجيتسكي بوجوب قبول الولايات المتحدة لشراكات موضعية مع كل من روسيا والصين للحفاظ على موقع القوة العظمى الوحيدة بأسلوب مرن. لكن الحرب السيبرانية التي بدأت والحروب التجارية القائمة تشيان بأن الشرق الأوسط سيكون من مسارح السباق العالمي المحتدم.

9