المواجهة الروسية الأوروبية.. فصل أول من صراعات أخرى قادمة

من المتوقع أن تتخذ الدول الأوروبية العديد من الإجراءات التصعيدية تجاه روسيا في الفترة القادمة، والتي من شأنها زيادة التوتر والتصعيد بين الجانبين.
الاثنين 2018/04/02
حرب دبلوماسية تصل إلى أشدها

ليس من المتوقع في المدى القريب أن تهدأ النيران التي اشتعلت في العلاقات بين موسكو وعواصم أوروبية كثيرة. ولم يكن تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا مؤخرا، سوى القطرة التي أفاضت كأس الأزمات بين الروس والأوروبيين، وأيضا الأميركيين.

تقول موسكو إن الدول الأوروبية، وإلى جانبها الولايات المتحدة، تحاول تسوية مشكلاتها الداخلية عبر “شيطنة روسيا”، لأنهالا تحبذ رؤية “روسيا القوية” على حدودهم.

أما الأوروبيون، الذين اتفق زعماؤهم في قمتهم التي عقدت الأسبوع الماضي، على أن موسكو ضالعة في تسميم سكريبال وابنته، يرون أن روسيا ستتزايد تصرفاتها العدوانية إلى مستويات غير مسبوقة، بعد إعادة انتخاب الرئيس فلاديمير بوتين لفترة رئاسية جديدة تنتهي في 2024.

 

تعرضت موسكو إلى أكبر عملية عقاب دبلوماسي في التاريخ على حد وصف رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي في خطوة رأتها جرس إنذار للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ستنجر عنها عقوبات اقتصادية وعسكرية جديدة وستفتح فصولا جديدة من الأزمات، إن كرر محاولاته العدائية وواصل انتهاكاته للقانون الدولي وقيم الغرب، بعد حادثة تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا مؤخرا، في حين اعتبرت موسكو أنها محاولة للتضييق على النفوذ الروسي المتنامي بالشرق الأوسط وعدم رغبتهم في رؤية روسيا قوية، الأمر الذي سيلقي بظلاله على ملفات المنطقة المشتعلة

من هنا، ظهرت أصوات في الكثير من الدوائر السياسية الغربية تحذر أوروبا من أي تساهل مع السياسة العدوانية لبوتين، مشيرة إلى أن أي شكل من أشكال التهاون إزاء انتهاك القواعد من جانب بوتين لن يكون مقبولا. وتدعو هذه الأصوات الغرب وحلف الناتو للوحدة والحزم واليقظة والنفس الطويل في التعامل مع الرئيس الروسي.

وصلت الحرب الدبلوماسية بين الجانبين مؤخرا، إلى أشدها. تضامن حلف شامل الأطلسي وعدد كبير من الدول من داخل الاتحاد الأوروبي، وخارجه، مع لندن في عملية طرد 140 دبلوماسيا روسيا، فيما يعد أكبر عملية عقاب دبلوماسي في التاريخ، على حد وصف رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، التي اعتبرت الخطوة رسالة قوية بأن الغرب لن يتسامح مع “محاولات روسيا المتكررة لانتهاك القانون الدولي وعرقلة قيم الغرب”.

وأقدمت واشنطن على طرد 48 دبلوماسيا روسيا يعملون في السفارة الروسية بواشنطن و12 آخرين يعملون في البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة. وطلبت غلق القنصلية الروسية. وردّت روسيا بإعلان طرد 60 دبلوماسيا أميركيا وغلق القنصلية الأميركية في سان بطرسبوغ.

شنغن عسكري

حتى الكثير من الدول الأوروبية التي لم تشارك في الحرب الدبلوماسية، مثل اليونان والبرتغال وبلجيكا، عبرت عن تضامنها الشديد مع مقترح إنشاء شنغن عسكري لمواجهة التهديدات الروسية.

يقوم المقترح على اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان سرعة وحرية تنقل الجيوش الأوروبية، مثل حرية تنقل مواطني دول الاتحاد الأوروبي، وتسهيل عملية نقل المعدات العسكرية وسط الفضاء الأوروبي، بما في ذلك تجهيز الطرق في دول الاتحاد الأوروبي ما يمكنها من استيعاب نقل العتاد العسكري، مثل الدبابات وغيرها.

تهدف الإجراءات المقترحة أيضا إلى إزالة مختلف العقبات البيروقراطية والتشريعية التي تزيد من تعقيد التحركات العسكرية خصوصا عندما يتعلق الأمر بنقل متفجرات أو مواد خطرة.

ويأتي هذا المقترح عقب موافقة حلف الناتو على تأسيس مركز قيادة جديد الشهر الماضي لدعم حركة القوات السريعة في أنحاء أوروبا.

وتخضع روسيا لعقوبات اقتصادية أوروبية فرضت عام 2014 لمعاقبتها على ضم شبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في اوكرانيا. وتم تجديد هذه العقوبات في 13 مارس 2018 لستة أشهر، ومن “غير الوارد تخفيفها” كما قال دبلوماسيون غربيون.

وتسعى بعض الدول الأوروبية إلى قطيعة اقتصادية أكبر مع روسيا في مجالات حساسة للجانبين، مثل صادرات الغاز الروسي إلى السوق الأوروبية. وتحث هذه الدول على ضرورة تنويع مصادر الغاز الأوروبية، التي ما زالت مرتبطة بصادرات الغاز الروسي.

وتحذر بعض الدول من تعزيز روسيا لنفوذها في سوق الطاقة الأوروبية، بعد إنجاز مشروع سيل الشمال 2، مشيرة إلى أن هذا المشروع يهدد أمن الطاقة الأوروبي. وهناك انقسام أوروبي واضح حول هذا المشروع. وفي الوقت الذي تعبر فيه دول أوروبية كبرى مثل ألمانيا عن تمسكها بالمشروع، تحذر جمهوريات البلطيق وبولندا وأوكرانيا ودول أوروبية أخرى منه، وتصفه بأنه “مشروع جيو سياسي” يساهم في تعزيز هيمنة روسيا على القارة الأوروبية.

ترى هذه الدول ضرورة العمل مع الولايات المتحدة من أجل زيادة صادراتها من الغاز المسال لضمان أمن الطاقة الأوروبي. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعهد بتوفير الاحتياجات الأوروبية، والتقليل من الاعتماد على شبكات أنابيب الغاز الروسية، عبر زيادة صادرات الغاز الأميركي المسال إلى أوروبا.

ويوفر الاتحاد الأوروبي لشركة غاز بروم الروسية سوقا تستهلك نحو 75 بالمئة من إجمالي صادراته الخارجية (إلى دول خارج الفضاء السوفييتي). لكن، وكما سيكون أن أي قرار يحد من صادرات الشركة الروسية إلى السوق الأوروبية مؤلما للاقتصاد الروسي، فإنه سيكون مؤلما، وربما بقدر أكبر للسوق الأوروبية. وتعتبر موسكو ملف تصدير الغاز خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.

يمثل طرد روسيا من مجلس الأمن خطا أحمر ثانيا في العلاقات مع الأوروبيين. وتذهب قراءات عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الروسي إلى أن التطورات التي تلت عملية تسميم الجاسوس الروسي في بريطانيا تدخل في إطار خطة واسعة تديرها واشنطن ولندن لتضييق العزلة حول روسيا، وربما البدء بحملة دولية واسعة لطردها من مجلس الأمن، وربما يفسر ذلك إطلاق البيت الأبيض تصريحات تبدو أوسع من الحادثة بكثير مثل الحديث عن أن “سياسات موسكو باتت تشكل تهديدا على الأمن والسلم الدوليين”.

وتراقب روسيا عن كثب خطا أحمر ثالثا يتمثل في أن الكثير من الساسة الأوروبيين يوافقون على ميل الرئيس الأميركي دونالد ترامب القيام بعمل عسكري ضد الحكومة السورية بسبب اتهامات باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب الأهلية التي طال أمدها هناك.

ومن المتوقع أن تتخذ الدول الأوروبية العديد من الاجراءات التصعيدية تجاه روسيا في الفترة القادمة، والتي من شأنها زيادة التوتر والتصعيد بين الجانبين. ومن الممكن أن يضع الأوروبيون لائحة عقوبات جديدة ترتبط بأجهزة أمنية روسية متهمة في حادثة اغتيال الجاسوس الروسي. وهذا يعني استهداف شخصيات مرتبطة بشكل مباشر بالكرملين.

وقد تصدر قرارات لتجميد أرصدة أو منع شخصيات روسية من دخول الدول الأوروبية، وحزما أكثر شدة من أوروبا في التعاطي مع روسيا في ملفات مثل سوريا وأوكرانيا. ويمكن، أن تذهب عدد من العواصم الأوروبية، مثل لندن، إلى ما ذهبت إليه واشنطن في الملف الأوكراني أي إمداد كييف بالأسلحة.

التطورات التي تلت عملية تسميم الجاسوس الروسي تدخل في إطار خطة تديرها واشنطن ولندن لتضييق العزلة على روسيا

قلق من روسيا القوية

المواجهة الروسية الأوروبية الحالية ما هي إلا الفصل الأول من صراعات قوية أخرى قادمة على النفوذ وعلى الغاز والبترول. ويبدو أن هناك استراتيجية غربية، مفادها أن روسيا يجب أن تكون صغيرة الحجم وغير قادرة على التأثير في الساحة الدولية، لأن عودتها بقوة سيجعل دول أخرى أيضا تعود إلى مناهضة الهيمنة الغربية الكلاسيكية التقليدية التي بدأت منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم.

وأكثر مصالح روسيا كما هو واضح اليوم مع سوريا وايران والصين ومع الهند ودول أخرى، وليست مع الولايات المتحدة ولا مع بريطانيا وفرنسا. وفي ضوء ذلك، يبدو أن العالم يتجه نحو تشكيل محورين كبيرين، المحور الغربي يقابله محور دول البريكس.

ومع أن التوتر الروسي الأوروبي مؤخرا، أيقظ شبح الحرب الباردة، إلا أن تجاوز الجانبين للخطوط الحمر لن يكون سهلا. فعلى الجانب الأوروبي، تواجد أربعة تحديات كبرى، الأول يتجلى في استمرار معظم الدول الأوروبية بالتشبث بالسيادة العسكرية رغم الانفتاح في باقي المجالات التجارية والأمنية والدبلوماسية، حيث لا يزال التنسيق بين الجيوش الأوروبية في مستواه الأدنى. ويتمثل التحدي الثاني في إمكانية حدوث غزو روسي سريع لبعض مناطق أوروبا على شاكلة ما وقع في شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمتها موسكو إلى أراضيها السيادية. بينما التحدي الثالث هو الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما طالب الأوروبيين بالرفع من ميزانياتهم العسكرية بدل الاعتماد على الولايات المتحدة لحمايتهم. والتحدي الرابع هو أن مقترح إقامة شنغن عسكري ما يزال يلقى اعتراضا من طرف الأحزاب اليسارية الراديكالية في البرلمان الأوروبي.

وعلى الجانب الروسي، لا يبدو أن موسكو تميل إلى تجاوز الخطوط الحمر في المواجهة مع الأوروبيين. فإلى جانب عدم توافر الموارد المالية اللازمة لذلك في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة حاليا، تتطلب هذه المواجهة توفر المكون الإيديولوجي الذي يغيب تماما على الروس في الوقت الراهن.

على أي حال، هذه المواجهة المتصاعدة بين روسيا وأوروبا سيكون لها نتائج استراتيجية واقتصادية معا، وستؤثر بشكل كبير على الملفات المفتوحة في الشرق الأوسط، وما على الدول العربية إلا انتهاز الفرص عندما تلوح، وتجنب المخاطر حينما تأتي، فهذا هو الضامن الوحيد لها في عالم عاصف بالأزمات الدولية.

6