المواجهة المجتمعية للمتطرفين.. مصر نموذجا

الاثنين 2017/05/08

المواجهة التي أعلنتها قبائل الترابين ضد المتطرفين في سيناء، نجحت حتى الآن في تحقيق جانب معتبر من أهدافها، واستنفرت الكثير من فئات المجتمع ضد تنظيم داعش الإرهابي، الذي يتخذ من مناطق في شمال سيناء مركزا لشنّ هجمات ضد ضباط وجنود جيش وشرطة وقضاة وأقباط.

الضربات القوية التي وجهها التنظيم لهذه الفئات ضاعفت من قوته المعنوية، وجذبت إليه المزيد من العناصر، ذات الميول المتشددة، لذلك لم تنه المواجهة المصرية العسكرية الطويلة أسطورته، وأصبح رقما مهما في معادلة الأمن والفوضى في سيناء.

الكلام عن تلقي التنظيم أنواعا مختلفة من الدعم المحلي والخارجي، جرت في قنواته مياه كثيرة، بعضها يفسر أحد عوامل بقائه على قيد الحياة طوال السنوات الماضية، والبعض الآخر يبرر سبب إخفاق قوات الأمن المصرية في القضاء على التنظيمات المتطرفة تماما، ناهيك عن كميات الأسلحة التي جرى تهريبها وتخزينها في سيناء خلال العام الذي حكمت فيه جماعة الإخوان المسلمين البلاد.

قوات الأمن حققت تقدّما باختراق الجبال الصعبة المنتشرة في شمال ووسط سيناء، ومع أن هذه الخطوة كبيرة ومهمة وضرورية، غير أنها كانت دافعا لهروب وانتشار الكثير من العناصر المتشددة، بعد خروجها من جحورها، فعندما تمت عملية تطويقها، برا وبحرا وجوا، لجأت إلى الفرار العشوائي، ووجدت ملاذا وسط السكان، يحميها من ضربات الأمن، ويضمن وجود رهائن تحت رحمتها، كفيلة بردع أيّ توجه من جانب قوات الجيش والشرطة في مصر للهجوم عليها بكثافة.

الاقتراب من والالتصاق بسكان سيناء حققا ميزة نسبية لتنظيم داعش الإرهابي، مما خفف الضغوط الواقعة عليه، ومنحه فرصة لتفريغ المنطقة التي يتواجد فيها من بعض سكانها، ويوحي بأن التنظيم لا يزال موجودا فوق الأرض، وكلما اتجهت الحكومة لتأكيد نجاحاتها في مطاردة التنظيم، قام أحد أفراده بعملية هنا أو هناك على طريقة “الذئاب المنفردة” تحدث ضجيجا يثبت أن التنظيم حيّ يرزق.

كبوة المتشددين أنهم لم يلتفوا إلى أهمية الالتزام بالأعراف والتقاليد التي تحكم منطقة تسكنها قبائل مثل سيناء، وتجاوزوا الخطوط الحمراء، وقاموا بالاعتداء على الشيوخ والأطفال والنساء والأقباط، وهو ما جعل قبيلة مثل الترابين تعلن الدخول في مواجهة مسلحة وعلنية ضد تنظيم إرهابي محكم، وتدعو غيرها من القبائل للتضامن معها، وخوض الحرب صراحة.

الصرخة التي أطلقتها الترابين أحدثت صداها الإيجابي، وأدت إلى قتل عشرات من المنتمين لداعش، وإلقاء القبض على غيرهم، وما كان لهذه المهمة أن تحقق هدفها إلا في ظل تلقي أصحابها لضوء أخضر من الحكومة المصرية، التي وجدت فيها فرصة تجنبها الدخول في مواجهة ممتدة وصعبة، قد تكون لها تداعيات سلبية على السكان الأبرياء، لأن طبيعة الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها الجيش يختلف تأثيرها تماما عن الأسلحة الخفيفة التي تستخدمها الترابين.

الأولى تخلّف خسائر حرب كبيرة في صفوف المواطنين، وتثير الحنق على الحكومة، وتفتح المجال لترويج شائعات من قبيل اتهامها بقتل مدنيين عزل، ما يعرضها لضجيج آخر من منظمات حقوق الإنسان الدولية، بينما الثانية (سلاح القبائل) يمكن التحكم في مفاصلها بشكل أدق وخسائرها البشرية أقل، ولن تصطحب معها ضجيجا لأن سلطة القبيلة في سيناء لها مكانة تفوق سلطة الحكومة أحيانا.

مع أن هناك رفضا رسميا لاستخدام قبيلة مثل الترابين للسلاح في مواجهة المتطرفين، غير أن الحكومة لم تتخذ إجراءات فعلية لوقف هذا الاتجاه، وحتى الخوف من انتشار السلاح في أيدي المواطنين لن يكون سببا كافيا لفرملة المواجهة في الوقت الراهن، فمعروف أن السلاح ينتشر لدى غالبية القبائل في مصر، ويتم الحصول عليه عبر تصريح رسمي عند حيازته.

العبرة بالنتائج، كما يقولون، وبصرف النظر عن الموافقة الضمنية أو الرفض الرسمي، فالحصيلة التي وصلت إليها الترابين جيدة، لأنها تمكّنت من تجفيف منابع التطرف في كثير من الأماكن التي لجأ إليها عناصر داعش، وقامت بتسليم كل من ألقي القبض عليه لجهات الأمن الرسمية، ما يعني أن العملية برمّتها تتم تحت سمع وبصر الحكومة المصرية.

هذه النوعية من المواجهة حققت أغراضها في منطقة مثل مرسى مطروح، في أقصى غرب مصر، حيث قامت القبائل الكبيرة هناك بالمشاركة في عملية ضبط الأمن، والأهم السيطرة على العناصر الخارجة على القانون ذات الجذور القبلية، الأمر الذي جعل الحدود الغربية مع ليبيا الملتهبة أصلا أكثر أمنا وهدوءا من نظيرتها في الغرب.

لعل استلهام نموذج مطروح وتطبيقه في سيناء، مع فروق طفيفة، يساعد كثيرا على وقف الانفلات الأمني الذي كاد ينتشر في ربوع سيناء، ويحرج الحكومة، ويؤثر على صورتها أمام المواطنين، فبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على المواجهة المستمرة والمحتدمة بين قوات الأمن والعناصر المتشددة تواصل الأخيرة القيام بعمليات إرهابية في سيناء وغيرها.

إذا كانت المواجهة المجتمعية للمتطرفين حققت نجاحا لافتا غربا وشرقا، فهل يمكن تطبيق هذا النموذج في القاهرة وغيرها من المدن التي تقع وسط البلاد؟

الخصوصية التي تتمتع بها الأقاليم الحدودية، تجعل من تكرار التجربة في الوسط والمدن الساحلية مسألة غاية في الصعوبة، فالأساس القبلي في الحالتين السابقتين كان النواة التي تستند عليها المواجهة، وكلما جرى التوغل في العمق المصري، تتراجع أهمية التركيبة القبلية، وتبدو حياة المدينة وصخبها وطقوسها الفردية أكثر ذيوعا.

كما أن العناصر المتطرفة لا تميل إلى الانخراط في هذا النمط من الحياة، واللجوء إليه للتخفي يتم غالبا بصورة فردية، ويصعب الاعتماد عليه في التخطيط والإعداد لعملية إرهابية تتطلب امتلاك معدّات، من السهولة كشفها وسط الحضر، ومعظم التفجيرات والعمليات الانتحارية تم تجهيزها خارج المدن أو على أطرافها.

لذلك تعتمد المواجهة الصلبة في المدن الكبرى وغيرها، على قطع دابر الأفكار المتطرفة، والعمل على تربية جيل ينشأ في بيئة متسامحة، تؤمن بالآخر وحقه في الاختلاف والتعايش والحياة، وهي الوسيلة الناجعة للتخلص من البؤر الإرهابية، لأن رفع السلاح فقط للقضاء على المتطرفين يمكن أن تترتب عليه تداعيات قد يصعب علاجها مستقبلا، وتحمّل الدولة تكاليف باهظة.

كاتب مصري

9