الموارد المادية المتجددة بوابة تحقيق التنمية المستدامة

الاثنين 2014/10/13
الطاقات النظيفة المعتمدة على موارد مادية متجددة تحفظ الاستدامة التنموية وسلامة الكوكب للأجيال القادمة

لندن- الأهمية التي تحظى بها الموارد المادية المتجدّدة من منظور الاستدامة وميزاتها، أضحت تستوجب وضع منهجية واضحة واستراتيجية شاملة للتعامل معها، حسب دراسة للباحث حامد الموصلي صادرة عن المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط.

التحول الصريح في اتجاه الإبداع التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم، والاتجاه من التركيز على رفع إنتاجية العمالة إلى رفع كفاءة استخدام المواد، أو ما يُعرف بالكفاءة الأيكولوجية أو خفض استخدام المواد، أسهما في تحوّل من الاعتماد على الموارد غير المتجددة كالمعادن والموارد التعدينية إلى الاعتماد على الموارد المادية المتجددة، تمشيًا مع مبادئ الاستدامة.


ما المقصود بموارد مادية متجددة؟


في سياق التعريف بالموارد المادية المتجددة، يعرّفها الباحث حامد الموصلي في دراسته الصادرة عن المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط، بأنها تلك الموارد ذات الأصل الحيوي، نباتية كانت أم حيوانية. كما يشير إلى أنّ وصفها بـ”المتجددة” يتعلق بإمكانية إعادة إنتاجها عبر دورات زمنية قصيرة نسبيًّا، أي يمكن قياسها على مقياس الزمن الإنساني، لذا فرغم الأصل النباتي للفحم والنفط، لا يمكن وسمهما بالتجدد، لأنهما لا يتجددان إلاّ بعد حقب جيولوجية طويلة.

وأيًّا كان أصل الموارد المادية المتجددة، فثَمة تنوع كبير للمنتجات الثانوية لهذه الموارد، ولكن للأسف أدت النظرة الاقتصادية السوقية قصيرة النظر إلى تركيز الانتباه على المنتجات الأساسية لهذه الموارد القابلة للتسويق كالمحاصيل النقدية، مما أدى إلى إهمال البحث عن مجالات مفيدة لاستخدام منتجاتها الثانوية، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى عبء على البيئة.

مثالُ ذلك أن يعطي الفدان المزروع 15 طنًّا من الذرة الشامية في المتوسط، 3 أطنان ذرة (حبوب) و12 طنًّا سيقان (أحطاب)، إن لم نجد لهذه الأخيرة استخدامًا نافعًا تحولت إلى عبء على البيئة.

بناء القدرات العلمية والتكنولوجية في المجالات المتعلقة بتنمية الموارد المادية المتجددة، هو أهم شرط لتحقيق التنمية المستدامة


ماهي آثار التقدم التقني؟


في إطار آخر، أشار الباحث إلى أنّ محتوى التقدم التقني اتّسع ليشمل -بالإضافة إلى عالم الإنتاج– دنيا الاستهلاك، فالمطلوب هو إبداع تكنولوجيات ومنتجات وأنماط استهلاك صديقة للبيئة، مما يسفر عن “تخضير” نسق الإبداع لنفسه. وهنا تتحتم التفرقة بين المتجدد من حيث الإمكانية والتجدد الفعلي الذي يستلزم التحكم في تأثير الإنسان على المواد (معدل استهلاكها)، وعلى البيئة التي تنمو فيها (مستوى التلوث ومجمل الظروف العضوية والمناخية والجيولوجية التي يتطلبها التجدد) بحيث تتوافر الظروف المواتية للتجدد، ومن الضروري أيضًا التمييز بين معدَّلات التجدد المختلفة وفقًا للنوع أو الفصيلة التي ينتمي إليها المورد.


ماهي مزايا الموارد المادية المتجددة؟


في ما يتعلّق بمزايا الموارد المادية المتجدّدة، ركز حامد الموصلي بحثه على ذات الأصل النباتي، ليخلص إلى أنّ هذه الموارد يمكن أن تكون غير قابلة للنفاد، فهناك إمكانية لاستخدامها بلا نهاية إذا ظل معدل استهلاكها في حدود قدرة الأنساق الأيكولوجية على تجديدها، وإذا توافرت الشروط اللازمة لتجددها من حيث التربة والمناخ الملائم.

ويعني ذلك، حسب الباحث، أنّ الاستخدام الرشيد للمادة المتجددة يتماشى مع مفهوم التنمية المستدامة، بحيث تلبى احتياجات الحاضر دون المساس بالقدرة على الوفاء باحتياجات أجيال المستقبل.

كما أن الموارد المادية المتجددة تؤدي وظائف أيكولوجية قبل استخدامها إنتاجيًّا، تشمل امتصاص ثاني أوكسيد الكربون وزيادة نسبة الأوكسجين، والمحافظة على التربة، والإسهام في الدورة المائية، وتوفير الملاجئ للعديد من عناصر التنوع الحيوي؛ النباتي والحيواني، إضافة إلى الظل والجمال والمتعة البصرية والروحية، أو ما يسميه البعض بـ “الخدمات الإيكولوجية”، وهذه الأخيرة يتعين أن يتم تقدير قيمتها كرأس مال طبيعي.

هذا بالإضافة إلى أن الموارد المادية المتجددة في متناول أيدي الناس، فهي ليست مركزة في مناطق معينة بل واسعة الانتشار، نظرًا إلى إمكانية نموها في ظروف مناخية وجيولوجية غاية في التنوع. وهذا يتيح لكل مجتمع محلي أن يكون له نصيبه منها بعيدًا عن تدخل الدولة واحتكار الشركات الكبيرة ومتعددة الجنسيات. ولهذا تمثل الموارد المادية المتجددة ركيزة مهمة لتنمية المجتمعات المحلية.

"الخدمات الأيكولوجية" تشمل:
◄ امتصاص ثاني أوكسيد الكربون

◄زيادة نسبة الأوكسجين

◄المحافظة على التربة

◄الإسهام في الدورة المائية

◄توفير الملاجئ لعناصر التنوع الحيوي النباتي والحيواني


ما الفرق بين المتجدد وغير المتجدد؟


عند المقارنة بين الموارد المتجددة والأخرى غير المتجددة، نجد الأولى أكثر تناغمًا مع الدورات الأيكولوجية عند النظر إليها من منظور دورة الحياة، وذلك عبر المراحل المتتالية لدورة حياتها، فهي موجودة على سطح الأرض، ويمكن الحصول عليها عادة دون آثار مدمرة للبيئة على عكس الموارد غير المتجددة التي تُستخرَج عادة بحفر المناجم والآبار، وهي أنشطة تتسبب في تلوث البيئة وتدهور الأنساق الأيكولوجية.

من هذا المنظور، يخلص الباحث، إلى أنّه يمكن اعتبار الموارد النباتية قاعدة مادية للعديد من الصّناعات التي تخفف الاعتماد على الموارد الأحفورية المصنعة، والتي تسهم في ظاهرة الاحترار العالمي، وفي تلوث الهواء والأرض والماء.

ومن جهة أخرى فإنّ إنتاج المواد المصنعة من الموارد المتجددة النباتية يحتاج إلى طاقة تقل كثيرًا عن نظيرتها للموارد غير المتجددة، فالأولى تبني خلاياها وتجددها عن طريق التمثيل الضوئي، أي بضوء الشمس وطاقتها دون الحاجة إلى مواد مشعة يمكن أن تنعكس سلبا على الطبيعة.

هذا بالإضافة إلى أنّ الموارد المادية المتجددة تمتاز بأنّها قابلة للتحلل، أي يمكن استخدامها بعد نهاية دورة حياتها في تسميد التربة، أو كوقود في أسوأ الظروف، خلافًا للموارد غير المتجددة والمصنعة، التي يتعين -إن لم يتم إعادة استخدامها– التخلص منها بالحرق مثل البلاستيك، مما تنتج عنه مخاطر بيئية جسيمة (سم الديوكسين مثلاً)، أو الدفن في مقالب، ما لا يتسق والتنمية المستدامة.


كيف يمكن أن تكون منهجية التعامل؟


ثمة حاجة إلى بلورة منهج رشيد لإدارة التعامل مع الموارد المادية المتجددة انطلاقًا من مفهوم التنمية المستدامة، لذا يتعين أولاً وضع تصنيف هرمي لأنماط استخدام هذه الموارد، بحيث تكون المكانة الأولى والأعلى فيه لاستخدام يفسح لمجالات تالية أو أدنى من الاستخدام بعد نهاية حياة الاستخدام الأول، وهكذا يمكن تصور ترتيب مراحل الاستخدام مدرجة.

وانطلاقًا من الخواص البنيوية للمورد نحاول اختيار الاستخدام الأول عند أعلى مرحلة ممكنة في مدرج الاستخدام، ويسمى هذا المبدأ بمبدأ التوافق، فمثلاً يفضل أن يكون أول استخدام لجريد النخيل كمكون معماري لمنتجع بيئي (في السُّقف والمظلات).

ثم يجب اعتصار أو استنفاد الإمكانيات التنموية لكل عنصر، بمعنى أن يُستخدم عنصر المورد نفسه استخدامًا ثانيًا بعد الأول، وهكذا عبر حيوات متتابعة من أجل تحقيق الاستفادة الكلية منه.

وهكذا يجري التعامل مع المورد إعمالاً لمبدأ الاستخدام الشامل له، ما يحقق أقصى استفادة تنموية وتعظيم القيمة المضافة للمورد، وذلك باستخدام عناصره كافة، سواء بسواء المنتج الأساسي والمنتجات الثانوية.

تمثل الموارد المادية المتجددة ركيزة مهمة لتنمية المجتمعات المحلية كونها واسعة الانتشار وغير مركزة في مناطق معينة

ثم يجري توطين المراحل الأولى لتشغيل الموارد المادية المتجددة وتصنيعها أقرب ما يكون من مواقع إنتاجها، ما يحقق عدالة توزيع العائد الاجتماعي للنشاط الصناعي بين الريف والحضر، وما يتيح الاستفادة من عناصر المورد القابلة للفساد، وما يجعل العديد من هذه الموارد منخفضة الكثافة قابلة –عن طريق الكبس أو الفرم– للنقل إلى أماكن أبعد لاستكمال التصنيع.


ماهي ملامح الاستراتيجية الشاملة؟


يشير الباحث حامد الموصلي في دراسته الصادرة عن المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط، إلى أنّ التصور الأولي للأطراف المعنية بوضع استراتيجية للتعامل مع الموارد المادية المتجددة وتفعيلها يشمل الوزارات ذات الصلة، مثل الزراعة والبيئة والصناعة، ومؤسسات البحث العلمي والجامعات والشركات الصناعية، والمزارعين ممثلين في الاتحادات والجمعيات، والمستثمرين في الزراعة والأنشطة الصناعية، والتعليم بمراحله المختلفة، ووسائل الإعلام المختلفة، ومؤسسات المجتمع الأهلي المعنية بالحفاظ على الطبيعة وتنمية المجتمعات المحلية.

وفي هذا السياق، فإنّ أول ما تنطوي عليه الاستراتيجية هو تسجيل السلالات والأصول الجينية لأصناف مكونات الغطاء الطبيعي كافّة وحفظها (النباتي منها والحيواني)، وكذلك تسجيل عناصر الإنتاج النباتي والحيواني كملكية فكرية لدول المنطقة، فهي نتاج حضاري امتد إلى آلاف السنين، وانطوى على جهود استئناس هذه الموارد وتنميتها.

أمّا الخطوة التالية فتتضمّن عمل خرائط بنظام المعلومات الجغرافي GIS لتوزيع الموارد المادية المتجددة، أصنافًا وكميات، وصولاً إلى مستوى التقسيم الإداري كالمحافظات والمراكز، مع تحديد موسمية التوافر، وذلك منطق لاختيار المشروعات التي يمكن أن تقوم عليها.

ثم ينبغي التوصل إلى صيغة لتقسيم العمل الإقليمي بين دول المنطقة في ما يتعلق بإنشاء المؤسسات البحثية وإجراء البحث العلمي على الموارد المادية المتجددة، بما يحقق التكامل على مستوى الإقليم، وتعميق التخصص في المجالات البحثية المختلفة.

وفي سياق متّصل، أشار الباحث إلى أنّه لا جدوى من الخطوات السابقة إذا لم تتبع ببناء القدرات العلمية والتكنولوجية في المجالات المتعلقة بتنمية الموارد المادية المتجددة (نباتية وحيوانية) والصناعات القائمة عليها، وهو أحد أهم شروط تحقيق التنمية المستدامة، فقدرة المنطقة العربية، على سبيل المثال، على إبداع التكنولوجيات الملائمة وتطويرها بما يناسب مسار التقدم الملائم، ستُحقق لها التنمية المستدامة.

في ختام بحثه، شدّد حامد الموصلي على أنّ استراتيجية التعامل مع الموارد المادية المتجددة في المنطقة العربية، والنقاط المنهجية التي تمّ تحديدها سلفا، هما ركيزتان أساسيّتان لأي تنمية مستدامة، لأنّ الدول العربية إن لم تتحرك بشكل متزامن، وإن لم تنسق بين جهودها على كافة المحاور بحيث تعضد وتؤازر بعضها البعض، فلن يتحقق الهدف الذي تسعى إليه بالفاعلية المرجوة والكفاءة المطلوبة وفي التوقيت المناسب.

6