الموازنة بين الدخل والإنفاق.. فن الممكن والتخطيط المسبق

أصوات داخلية ملحة تدفعنا للتبذير والإنفاق غير المدروسين، والمال لا يمثل مفهوما مجردا بل أداة لتحقيق أهداف في الحياة.
الأربعاء 2018/03/28
الإفراط في الإنفاق نوع من التحرر من القيود

تدور حياة معظمنا حول دائرة معقدة من الحسابات، حيث يضع البعض أهدافا معينة للوصول إليها أو أمنيات يودون تحقيقها، لكن عندما يأتي وقت العمل، الخطوات والقرارات الواجب اتخاذها للوصول إلى أهدافهم، يظهر الصوت الداخلي الذي يحاول أن يقطع الطريق على المحفز الخارجي الذي يدفعنا باتجاه الهدف، فيجدون أنفسهم وقد أصبحوا أسرى لصراع من نوع آخر بين ما يرغبون في تحقيقه وبين واقع يفرضه عليهم ظرف معين وقد يفرضونه على أنفسهم من دون أن يشعروا بذلك، وحين ينتصر أحد الصوتين فإنه يكون صاحب القرار.

هناك العديد من الأصوات التي تتصارع في داخلنا، فعندما يحفزنا أحدها مثلا لإنفاق الأموال من أجل متعة شخصية أو لخوض تجربة ترفيهية، فإن الصوت الآخر يكون بالمرصاد يلزمنا بعدم فعل ذلك لأن القرض سيأتي موعد سداده في آخر الشهر.

ويقول الخبير المالي الأميركي مايكل كاي؛ رئيس إحدى الشركات الاستثمارية في ولاية نيوجيرسي الأميركية وأستاذ التخطيط المالي في جامعة نيويورك، إن هناك بعض الكلمات التي تتكرر في حياتنا اليومية، يصعب بمرور الوقت تجاوز تأثيرها في سلوكنا الإنفاقي مهما كان مستوى دخلنا وإمكاناتنا المادية، بل إن بعض الأشخاص لا يولون أي أهمية لصوت العقل الذي يحاول تعطيل حركتهم العشوائية في الإنفاق، فيوقعون أنفسهم في أزمات مالية قد تترتب عليها أحياناً عواقب وخيمة.

ويؤكد كاي أننا اعتدنا على سماع أصوات داخلية ملحة عندما يتعلق الأمر بالتبذير والإنفاق غير المدروسين، مثل: لقد كنت أفكر بشراء هذه منذ زمن طويل، لطالما حلمت باقتناء هذه الساعة، أعرف بأني أستحق هذا فقد كنت أعمل بجد طوال أشهر، ربما لن يكون ضياع أجرة شهر كامل بمستوى فرحة اقتناء هذه الحقيبة، لن يضرني شيء سأقتني هذا الخاتم وسأعوض ثمنه بمضاعفة ساعات العمل في الأيام المقبلة، أنا أنفق على الأطفال طوال الوقت وقد حان وقت الإنفاق الذاتي!

السيطرة والموازنة بين الدخل والإنفاق تضمنان وجود خزين يتم اللجوء إليه في حالة الطوارئ أو حدوث ما هو غير متوقع

هذه السلسلة من الحوارات الداخلية طالما دفعتنا مرارا لاقتراف فعل شرائي ندمنا عليه في ما بعد، حيث يبقى الصوتان يتصارعان في داخلك؛ صوت العقل وصوت الرغبة، حتى يكتب لأحدهما الانتصار، لكن المنطق يؤكد أننا نتصرف بحكمة في أغلب الأحيان على وفق ما تتطلبه مصلحتنا ونعرف أي صوت سنختار أن نصغي حتى وإن أحدث أحدهما ضجيجا أكثر من الآخر، وحتى وإن تنحينا قليلاً إلى جانب رغباتنا، فيما قد يتطلب الأمر أحيانا تدخل طرف ثالث يقدم لك نصيحة مثالية تأتي في وقتها المناسب، ثم يتدخل أخيرا طرف آخر أكثر أهمية؛ إنه صوت الإحساس الذي يخبرك في اللحظة الأخيرة بالتوقف ومراجعة حساباتك، وعند هذه النقطة بالذات سيتلاشى تأثير السحر وسيكون الإنفاق في حدود ضيقة.

نحن نعرف بالتأكيد إلى أي نتيجة أدت بنا قرارات الإنفاق التي اتخذناها سابقا، سواء أكانت نتائج إيجابية أو محبطة.

ويورد مايكل كاي بعض الخطوات التي يمكن أن تضمن لنا قرارات إنفاق صحيحة، تجنبنا بشكل ما خيبة الألم والندم المترتبين على التبذير، وأهمها مراجعة القرارات الخمسة الأخيرة وما إذا كان الصوت الداخلي المتأتي من الإغراءات المباشرة قد لعب الدور الأكبر في ذلك، وما هو شعورنا عندما قمنا بتلك الخطوات وهل سنقوم بالخيارات ذاتها فيما لو توفرت لنا فرصة ثانية؟ ربما لا يمكننا أن نتذكر بالتفصيل كيف تمت عملية اتخاذ القرار، مهما كان نوع الإنفاق، لأن القرار يكون في العادة سريعا وحاسما لكنه في النهاية يكون قد خضع لعملية حسابية ما أو تسلسل معين في التفكير.

ومع ذلك، هناك مرحلة ما في حياتنا تسمى “مرحلة الندم” أو “سن الندم”، وهو ليس الندم الذي يدفعنا لقول “كان خطئي، أنا أتحمل المسؤولية بالكامل”، بل إنه اللوم الذي نصبه على الآخرين، نحمل مسؤولية الأخطاء سواء أكانوا أشخاصا، مؤسسات، مجموعات، نتوقع بأن العالم سيكون أفضل لو لم يكونوا من ضمنه!

هذه واحدة من الحجج غير المنطقية، عندما نعمد إلى لوم الآخرين عن أخطاء ارتكبناها بأنفسنا وهي نوع من التهرب من مواجهة الواقع، وعندما يتعلق الأمر بطرق الإنفاق الشخصية التي تحقق السعادة والرفاهية، فإن أفضل بداية تكون برفض سلوك الإنفاق ببذخ ومن دون تخطيط مسبق لا أن نصب لومنا على الظروف، كما يتطلب الأمر السيطرة والموازنة بين الدخل والإنفاق بطريقة تضمن وجود خزين يتم اللجوء إليه في حالة الطوارئ أو في حال حدوث ما هو غير متوقع.

كما ينبغي أن تكون هناك خطة ثابتة للإنفاق على ما هو متوقع وثابت من احتياجات ضرورية وجعل الإنفاق على الكماليات في مستوى مقبول يعتمد على الفائض، كأن يخصص مبلغ محدد شهريا للاستهلاك الخاص بالكماليات سواء أكانت رحلات أو زيارة مطاعم أو تسوق سلع استهلاكية.

البعض ينظر إلى أن مسألة اكتناز المال والاحتفاظ به حتى ولو بقدر صغير على أنه نوع من العبودية يحاولون بشتى الطرق التحرر منها

ومن جانبها، تشير أوليفيا ميلان طبيبة أميركية متخصصة في العلاج النفسي، إلى أن هناك طرقا معينة لوضع الأموال في قنوات إنفاق مناسبة، وبالنسبة لمعظم الناس فإن المال لا يمثل مفهوما مجردا بل إنه أداة لتحقيق أهداف في الحياة؛ إنه الحب، القوة، السعادة، الأمن، الاستقلال والحرية أيضا، فهم يرتبطون بالمال مثل ارتباطهم بشخص معين في علاقة تتسم بالتعقيد والمشاعر العميقة، بعض الأشخاص لديهم علاقة مضطربة مع المال في حين يتوجب أن يرتبط المال برمز معين لإنفاقه للعيش في علاقة عقلانية ومتوازنة معه، فالأمور المالية هي وسيلة مثالية للتوعية والنمو.

وتشير ميلان إلى أن انهيار بعض المجتمعات والاغتراب الروحي يشعر العديد من الناس بعدم الجدوى والفراغ الذي يحاولون أن يملأوه بأي شيء لسد الثغرة الحقيقية في أرواحهم، لذلك يلجأون إلى الإفراط في الإنفاق كنوع من التحرر من القيود، حيث ينظر البعض إلى أن مسألة اكتناز المال والاحتفاظ به حتى ولو بقدر صغير على أنه نوع من العبودية يحاولون بشتى الطرق التحرر منها.

وتبقى حقيقة، أننا نكبر جميعا من دون أدنى ثقافة أو علم بفلسفة إنفاق المال، حيث نكون قد تعودنا منذ نعومة أظفارنا على ألا نناقش المسائل المالية مع أفراد عائلتنا، باعتبارها من الأسرار أو المحرمات التي لا يصح الحديث عنها، ولهذا يمكن أن نغفل أمورا مهمة وأساسية في حياتنا وهي في الأصل من يحرك أهدافنا ويتنقل بنا من نجاح إلى فشل والعكس صحيح.

21