المواطنة العراقية الفولكلورية

الأحد 2016/09/25

تبدو النزعة الوطنية العراقية في الغالب حالة “افتراضية” أو فولكلورية؛ فهناك حقائق ملموسة على الأرض تخبرنا أن مواطنتنا المفترضة هي في الغالب محض تمظهرات عاطفية غير مستتبة وسلوكيات انفعالية موسمية تبقى دونما أسانيد قانونية محكمة كتلك السائدة في المجتمعات المتقدمة التي ترسخت لديها فكرة المواطنة.

لنتأمل بعض سمات هذه الوطنية الافتراضية التي يدعيها البعض جهلا بها أو لغايات تخدم مصلحة الحاكم في كل عهد: سنرى أن مظاهر الوطنية العراقية المفترضة غالبا ما تسوّق سياسيا وإعلاميا في صيغ شعبوية بائسة تنضح بالعاطفة الجارفة ذات التأثير اللحظي سريع الزوال ويكون هذا الشكل الفلكلوري عادة مسندا بمؤشرات أيديولوجية ذات إيحاءات عنيفة سواء في الأداء السياسي أو السلوكيات القبلية؛ فعندما تحاول بعض وسائل الإعلام تأكيد التلاحم الوطني تعمد إلى بث صور لمجموعات عشائرية تختلف أزياؤها وكوفياتها وطراز العقال وحجمه في إشارة واضحة إلى مرجعية قبائلية ومناطقية محددة في مشهد يفترض فيه الإفصاح عن تماسك وطني حيث يتقافز الرجال مرددين عباراتٍ مبالغا في عاطفيتها وأهازيج مشحونة بمفردات حب الوطن والتضحية في سبيله وبذل الدم من أجله، بينما يتملّك الهازجين والراقصين شعور غامر بالتفوق والغلبة العشائرية أو المناطقية مما يقصي أيّ قيمة للوطن وسط الانفعال القبلي وتسويق مفهوم عنفي للوطنية محصور في فكرة الموت من أجل الوطن.

ويبدو هذا الوطن حالة يوتوبية وهمية وسط التفاخر العاطفي الذي يهزج رجاله غالبا بمقولة “نموت ويحيا الوطن” دون وعي بخطورة هذا الشعار الذي سيهبنا وطنا قاحلا مات أبناؤه وهدرت دماؤهم في حروب ومعارك أهلية طاحنة ليبقى الحاكم وسلطته وليس من مواطنين فاعلين يبتكرون صورا جديدة للحياة في وطنهم ويؤسسون مستقبلا مشرقا للأجيال القادمة.

أذكر هنا لقاء تلفزيونيا مع سيدة تدّعي أنها أميرة من سلالة العائلة المالكة العراقية، يسألها المحاور منطلقا من سطحية الأداء الإعلامي وجهله “هل أكلت كعك السيد يوما سمو الأميرة؟ وهل شربتِ من شَرْبَت الحاج زبالة؟”، ولتأكيد مواطنيتها الفولكلورية تقول الضيفة نعم وإنها أكلت من بائع مأكولات مكشوفة على رصيف شارع العشار في مدينة البصرة منطلقة من النزعة المسطحة عن فكرة المواطنة التي يروج لها الأداء الإعلامي المفتقر إلى الأسس الثقافية الرصينة لمفهوم المواطنة.

يتكرر الحديث بمبالغات كبيرة عن أخوّة وطنية في الخطاب التسويقي للساسة قبل الانتخابات في حديث مجاني غير ملزم يتدفق دونما حساب، سرعان ما يتحول بفعل المحاصصة -التي أسقطت مفهوم المواطنة- إلى منازعات سقيمة في لحظة اقتسام المقاعد النيابية والمغانم وتقع الأقليات ضحية الصراع بين القوى المهيمنة؛ فتتهاوى ادعاءات الساسة عن الأخوّة وحقوق المواطنين وتتغالب الطوائف وتتصارع الكتل لقضم حصة أكبر من خيرات هذا الوطن ليبقى مفهوم المواطنة عائما سواء في النص الدستوري أو في الإجراءات الواقعية على الأرض.

ربما تكون التظاهرات التي أطلق جذوتها الشباب والناشطون بداية جدية لتهشيم الأيقونة الفولكلورية عن الوطنية وتأسيسا جديدا لمواطنة قائمة على مدوّنة شرف من حقوق وواجبات معلومة وليس محض نصوص دستورية غائمة يدوسها أمراء الطوائف بمداساتهم في معظم الأحيان متجاوزين الدساتير وإلزاماتها، وفي ظني أن التظاهرات غيرت إلى حدّ ما مفهوم المواطنة الرجراج ونقلته ببسالة المواطنين من ظاهرة فولكلورية عاطفية وموسمية تهزج لها الحشود أمام الحاكم إلى مواطنة تعرف حقوق الوطن والمواطن وواجبات الدولة.

كاتبة من العراق

14