المواطنة في دول الربيع العربي تعيش صراع هوية ومرجعية

الجمعة 2013/10/25
الأكيال فاضت بالشعوب العربية

العديد من المفاهيم الفكرية والأيديولوجيات تأثرت بموجات التغيير التي وقعت في الدول العربية التي ثارت على أنظمتها، وما أعقب ذلك من متغيرات سياسية جديدة عكسها وصول الإسلاميين إلى الحكم.

لا يستطيع أحد أن يشكك في كون «الانفجار الشعبي» القائم في بعض الدول العربية، كان ضرورة لا مفر منها، حيث يختلف الجميع حول التوقيت والطرق والفواعل المساعدة، لكن لا خلاف حول العوامل الأساسية التي أدّت إلى هذا الانفجار، وهي ببساطة أن هذه الشعوب العربية لم تعد تعيش حياة آدمية منذ سنوات أو عقود طويلة، وأن الأكيال قد فاضت بها، ولم تعد تحتمل.

وقد فاجأ الشعب المصري الجميع بتحقيق نظريته، التي امتدت لتشمل شعوبا عربية أخرى، مثل الشعب التونسي الذي سبق مصر في ذلك، لتصبح المنطقة في حالة غليان ثوري لم تشهده منذ نهاية عهد الاستعمار الأجنبي المباشر…


شعارات الثورة


انطلقت الجماهير وتوسعت، تهتف من اللحظة الأولى بشعارات ثلاثة أساسيّة: خبز (عيش)، حريّة، كرامة إنسانية. وهذه الشعارات تتضمن المطالب الأساسية لحياة الإنسان: الاقتصادية والسياسية والمعنوية. وإذا كانت المطالب الاقتصادية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والسياسية التي تنادي بالديموقراطية واضحة ومحددة، فإن مطلب الكرامة الإنسانية يبدو مُتسعا ومتشعبا، باعتباره نقيضا للذل والمهانة والخزي والإحساس بالعار والدونية وفقدان الإنسان للقدرة على الرفض والمقاومة، ومن ثم الإذعان الجبري، مما يؤدي به إلى مجموعة من الأمراض النفسية أو حتى العضوية، وفي النهاية فقدانه لاحترام نفسه مما يقلل فعاليته وإنتاجه ومساهمته في الحياة عامة.

مجموعة من العناصر تساهم في فقدان الكرامة أولها السلطات الحاكمة سواء الأمنية أو التنظيمية في مؤسسات الدولة أو الجهات المسؤولة عن العلاقات الخارجية، فالإنسان يشعر بالذل حين تقمعه أجهزة الأمن بدءا من جندي المرور وحين يضطر إلى دفع الرشاوى لأي موظف مقابل الحصول على أي حق، لكنه يشعر بذل أعمق حينما يرى وطنه مهانا من قبل أعداء يدوسون هذا الوطن بالأحذية علنا دون أي رفض أو مقاومة، ولا يسمح للإنسان برفض هذه الإهانة سواء بالتظاهر أو في وسائل الإعلام.


دور الإعلام


بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية والسياسية يقوم الإعلام بدور مركزي في التشويش على هويّة الإنسان عبر سياسات مرسومة بدقة في ظل العولمة الحاكمة وأتباعها. ويسعى هذا الإعلام إلى تفكيك الهويّات الوطنية للدول المختلفة وإعلاء الخطابات الطائفية والقبلية والدينية تمهيدا لتفكيك هذه الدول سياسيا وجغرافيا وإخضاعها للنموذج السياسي والمعرفي لدول المركز وخاصة أميركا.

ولا يلعب الإعلام وحده هذا الدور فقط، بل تساهم فيه أجهزة الثقافة والتعليم ودور العبادة والقوى السياسية سواء كانت دينية أو حداثية وإذا كان دور الأجهزة الثقافية والتعليمية مفهوما باعتبارها جزءا من أجهزة الدولة وتعمل على تنفيذ أهدافها، فإن دور النشاط الأهلي يبدو ملتبسا ولا يفهمه الكثيرون الذين يرون في القوى الدينية والسياسية قوى وطنية معارضة أو مقاومة.

القوى السياسية المنظمة سواء كانت علنية أو سريّة والتي شاركت في تحقيق «الانفجار» بدرجات متفاوتة من القوة والنزاهة، وهؤلاء قد ساهموا ربما دون وعي أو قصد في مخطط السلطات والعولمة لتفتيت وتشتيت هوية الإنسان العربي ومواطنته. وهم كانوا ممن قامت الثورة ضدهم، ثم شاركوا فيها.


القوى الإسلامية


القوى الدينية لا ترى في المواطن إلا انتماءه الديني والقوى السياسية الحداثية سواء كانت ليبرالية أو قومية أو يسارية، كما أنها لم تستطع أن تنجز مفهوما للمواطنة يشمل مكونات هوية متكاملة للإنسان العربي، يدرك تراكم طبقات الأنثربولوجيا والسيكولوجيا لهذا الإنسان، ويحدد العناصر المتعددة وطبيعة العلاقات بينها من حيث الوحدة والتنوع، وهي المكونات التي على أساسها ينبغي أن يقوم مفهوم المواطنة.

وبدلا من ذلك تعتمد هذه القوى المتمثلة في الحكام والدينيين والمدنيين على مفاهيم جاهزة معتمدة على تاريخ غربي، وهذه القوى خاضعة لقانون «التبعيّة الذهنيّة» الذي عملت عليه على مدى الثلاثين عاما الماضية، وتتمثل تبعيتهم لنموذج ذهني آخر، سواء كان ماضويا أو أوروبيا في رفض أو عدم القدرة على إدراك وتسويد مفهوم واضح لهوية الإنسان في البلدان العربيّة يؤسس لمفهوم دقيق لمواطنة هذا الإنسان بالمعنى الشامل لكل حقوق المواطنة. وعلى هذا الأساس، فإن هؤلاء جميعا – مع استثناءات أكيدة – هم الذين قامت الثورة ضدهم.

قد يبدو هذا التوصيف أو الاتهام قاسيا وغير دقيق، إذا تم إدراك أن بعض هذه القوى الدينية والسياسية قد شاركت في الثورة، وهي التي تتحدث باسمها الآن وتحاول حصد ثمارها. وهنا لابد من التوضيح بأن القوى الدينية والسياسية التقليدية ليست هي التي قادت الثورة وليست هي التي بدأتها، بل لحقت بها بعد البداية وحين لاحت آفاق نجاحها ولو من بعيد، وأن بعض القوى الدينية قد حاولت التلاعب بمصير الثورة في لحظات حرجة من تاريخها بالتنسيق مع النظام الحاكم، وهذا واضح جدا في موقف الإخوان المسلمين في مصر من العملية الثورية برمتها قبل الانفجار وأثناءه وبعده. وهو ما يدفع للتأكيد على أن القوى الدينية في مصر، ومعها قوى سياسية تقف الآن في صف الثورة المضادة.


الثورة في مصر


من بدأ المظاهرات في مصر هم مجموعات من الشباب محدودي الصلة بالعمل السياسي، لكنهم يحملون المطالب المذكورة سابقا، والتي هي دون شك مطالب شعبية، غير أن الجماهير الشعبية لم تلتحق بهذه المظاهرات وتحولها إلى ثورة ملايين، إلا حينما أعلن النظام غباءه المطلق باعتماده مواجهة أمنية إلى بدرجة قصوى ضد المتظاهرين، وتباطئه في تحقيق الحد الأدنى من المطالب العادلة، وحين وصل عدد المتظاهرين إلى الحد الذي يقضي على دفاعات قوات الأمن وانسحابها أعلنت الثورة أنها قد انتصرت، ولم يكن أمام قوات الجيش إلا الوقوف بحياد سمي بـ «حماية الثورة»، حتى تتولى هي زمام الأمور فيما بعد وبموافقة «ضمنية» من الشعب.

كما أن موقف الجيش وقيادته يفتح الباب واسعا لتأويلات متعددة حول الدور الأميركي فيما حدث، حيث يرى البعض أن ضوءا أميركيا أخضر قد ساهم في تحقيق الانفجار الهائل، كما أن الدور الذي لعبته الفضائيات الأوروبية والعربية وخاصة قناة الجزيرة قد ساعد في حشد الملايين في الشوارع والميادين، وهذا بالتأكيد كان عنصر دعم مساعد.

لقد كانت شعارات المتظاهرين وسلوكهم العملي في 25 يناير رفضا لكل أمراض المجتمع السابق، وتحقيقا للمراد في المستقبل، ووحدة مطلقة حول الهدف دون تمييز ديني أو فئوي أو نوعي أو عمري، حيث شاركت كل الفئات والطبقات من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال والمسلمين والمسيحيين واللادينيين، وفي كل محافظات مصر دون استثناء. الكل شارك بدرجات متفاوتة، بمن فيهم بعض أعضاء الحزب الوطني أو أبناء النظام الذين أدركوا قرب سقوطه.

وكان طبيعيا أن تقتنص القوى الإسلامية الأكثر تنظيما الفرصة لتنقض على الحكم بدعم من الجيش وتحت غطاء شعبي غير بريء. ورغم أن هذه القوى قد حكمت نحو عامين ونصف، لكنها فشلت تماما في تحقيق أي شعار أو حلم للمواطنين، مما أدى إلى فقدانهم شعبيتهم بل إلى ثورة الشعب عليهم في الثلاثين من يونيو وإسقاطهم إلى الأبد، غير أن التناقضات السابقة داخل كل القوى ما تزال قائمة.


مبدأ المواطنة


تتوافق ملامح الانفجار المصري مع انفجارات الشعوب العربية سواء سقط حكامها أم لا يزالون. غير أن ملامح المستقبل تبدو أكثر توافقا بشأن كل الحالات العربية. ولأن الصراع اتخذ شكلا عنيفا بين الأنظمة والثوار، بل وبين الثوار أنفسهم، فسوف يستمر ذلك حتى في الثورات السلمية في تونس ومصر، ومن الممكن أن تشهد الشهور والسنوات القادمة أحداثا قد تكون دموية، لكن يبقى الأمل قائما في أن هذا الصراع سيثبت للجميع أنه ليس أمامهم سوى اعتماد الخيار السلمي على أرضية محددة معترف بها من قبل الجميع، وهو مبدأ المواطنة.

في النهاية يجب على جميع الفرقاء أن يصلوا إلى صيغة مقبولة للمواطنة تشمل الحقوق الأساسية لكل إنسان على أرض هذا البلد وتتضمن حق العيش الكريم المتساوي دون تفرقة لأي سبب كان. والعيش الكريم هو عيش اقتصادي (العدل) وسياسي (الديمقراطية) وثقافي: حرية الاعتقاد والتعبير والإبداع الذي يأمل أن يتحقق خلال سنوات قليلة.

6