المواطنة والحداثة وجدار الأيديولوجيا الدينية

الأحد 2015/12/06
رسم لبهرام حاجو: استلهام البحث عن الحرية

بعد القرن العشرين وخيباته، بدأ العقد الثاني من القرن الحالي بتدشين زمن الحالات الثورية العربية التي ترمز عند البعض إلى اليقظة، وعند البعض الآخر إلى حركات انعتاق وتحرر، والتي وصمها رعيل المسكونين بالاستكانة بأنها مجرد مؤامرة خارجية.

بدل الدعم والتحفيز من المثقفين أو التنويريين، راقبنا كيف أن الكثير من صانعي القرار السياسي أو من مثقفي أو نخب الجيل المعاصر للاستبداد ناكفوا أو تملّقوا أو ناهضوا ما يسمى الربيع العربي. ولكن الأهم كان الخروج من حالة الجمود الخانق والانحطاط، وتسجيل الشباب العربي نجاحات محدودة في بدايات صنع واقع جديد.

مع سقوط سد برلين نهاية الثمانينات من القرن الماضي ومع نهاية الحرب الباردة، لم تنتصر مثالات الديمقراطية أو الخيارات الحرة في العالم، لكن حصلت تحولات في هذا الاتجاه في العديد من بلدان أفريقيا وأميركا اللاتينية وغيرها إلا في العالم الغربي الذي بدا عصيا على اختراقات الديمقراطية. وأتى تصاعد الإرهاب في مصر (قضية فرج فودة ومثيلاتها) وعقد التسعينات الدموي في الجزائر، ليكرسا واقع الانسداد في غالبية دول العالم العربي بين أنظمة الاستبداد والحركات الإسلامية أو بين الجيش كمؤسسة الدولة ” العميقة” والقوى المنبثقة من الإسلام السياسي على تنويعاته والتي أخذت تحتكر ساحات المعارضة (معادلة القصر والجامع) نظرا لاندحار الحركات القومية واليسارية والليبرالية ولانحسار مساحة الحريات.

لم تشذ ديناميكيات هذه المنطقة عن تطور “العمران والمجتمعات” حسب ابن خلدون وتركيزه على العصبية في الإمساك بالحكم وهذه المرة من خلال تمجيد الشخص القائد والحزب القائد والجيش القائد أو الرابطة الدينية أو الفئوية. إنها مشكلة الشرعية في منطقة كادت تصبح فيه الشرعية الحقيقية للحاكم أو للسلطة سلعة نادرة، لذا كان لا بد من قضايا مثل قضية فلسطين أو الدين بحد ذاته إلا الغطاء لاكتساب شرعية إزاء النقص في التمثيلية أو في المسافة بين الدولة والمجتمع.

ومما لا شك فيه أن هذا المأزق السياسي والعملي هو مأزق فكري يتصل بالجدل حول العلمنة والمواطنة ونموذج الحداثة المناسب. مقابل الأيديولوجية الإسلامية التي تركز على الأمة وتنسى الأوطان ومصالح الدول ، أخذت تصعد أيديولوجية الدولة والجيش وفق نظرة تمثل تكريسا لثنائية الجيش والإسلامويين وعدم الاعتراف بديناميكيات أخرى أو مقاربات غير أحادية تقر بوجود أسباب أخرى للانحطاط ( بالرغم من أخطائها وهفواتها لا يمكن تحميل الحركات الإسلامية لوحدها كل أسباب انهيار التحولات العربية قبل 2011 وبعد 2011). تاريخياً، لعب “علماء السلطان” دورا كبيرا في ديمومة الأنظمة القائمة بغض النظر عن شرعيتها وتمثيليتها.

ومنذ حقبة 2011، يبرز دور “مثقفي ومفكري الدولة” الذين لا يكتفوا بدعم بقاء الدولة في زمن انهيار الدول الوطنية، لكنهم يجهدوا لتبرير القمع أو التغاضي عنه.. ويصل ذلك إلى الاستعلاء على “الجمهور-القطيع″ أو “الجماهير” أو بالأحرى كل ما هو آخر ومتناقض مع “الطرح الرسمي”. لا يندرج المفكر المصري مراد وهبة ضمن الفئة المثقفة المشار إليها أعلاه، لكن يتضح من قراءة الحوار معه في “الجديد” وأحكامه الحاسمة (مثل موت الفلسفة) أو نظرته المتشائمة حيال آفاق التغيير والمواطنة، تدفع للقول إن “التفكير السلبي” أو “الموقف المتحمس والإنكاري” لا يسهم بالعصف الفكري في هذا المنعطف من أجل بلورة مشروع فكري نهضوي قادر على إخراج العقل العربي من كبوته.

الدولة العربية ما بعد الاستقلال هي في الغالب ثمرة نكبة 1948 في المشرق وصعوبات نزع الاستعمار في المغرب، وعدا حالات محدودة لم يكن من مكان لدولة القانون

نشهد حالياً ترنح المشرق وإسقاط الحدود فيه وضرب دوله المركزية. في هذه الرقصة بين التاريخ والجغرافيا، تبرز كيانات مذهبية ومنظمات جهادية عابرة للحدود وناقضة بشكل حاسم لمفهوم الدولة الوطنية أو الدولة-الأمة. وإذا كان تنظيم “الدولة الإسلامية” يحاول مدّ راياته السود من الموصل إلى تدمر وسيناء ودرنة، فقد سبق لحزب الله أن تحول إلى “قوة إقليمية” لأنه أهم دعامة عربية للمشروع الإمبراطوري الإيراني، وينطبق الأمر ولو بشكل أقل تنظيما وإشهارا على جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها الحميمة مع قوى إقليمية. إنها مغامرات أو تجارب لا تعترف بالحدود وتضع الكيانات كلها قيد الدرس.

في خضم المسألة الشرقية الجديدة انضم التحالف الغربي إلى الحروب المتراكمة في سوريا والعراق منذ صيف 2014، ومنذ 30 سبتمبر 2015 تكثف التدخل الروسي مع مسعى لإقامة حلف بغداد جديد. فتزايد الغموض وتزاحمت المصالح التي من بينها الدور البارز للأكراد في البلدين (لم نشهد إلا لحظة عابرة ودرامية من الاهتمام الغربي بالضحايا الإيزيديين، ولم يعد مصير مسيحيي الشرق ورقة جذب أو عبور للأوروبيين كما كان الأمر في الأيام الخوالي). ويصاب المراقب بالذهول حيال عدم قدرة تحالف دولي مؤلف من أربع وعشرين دولة على ضرب تنظيم داعش ولجمه. ومن الواضح أن هناك استخدامات متنوعة لهذه الظاهرة وكأن داعش تشبه شركة دولية-إقليمية وهناك مصالح تقف وراء السماح بتغوّلها تحت غطاء من الانحراف الديني.

إننا أمام حرب إقليمية-عالمية لا نعلم تماما كيف ستنتهي: هل بتغيير الحدود أم بقيام أنظمة حكم وكيانات جديدة. ثم ما هو مصير المكونات الأقلية الدينية والإثنية، وأين يتقاطع أو يتناحر الشرق والغرب، وما هو الانعكاس على صورة الإسلام ووضع المسلمين في أوروبا على ضوء انخراط الآلاف منهم في ما يسمى الجهاد العالمي. أليس كل ذلك من أوجه المسألة الشرقية الجديدة.

يقول البعض إن داعش وأخواتها هم أبناء الفكر الديني الإقصائي والشمولية، لكنهم أيضا بنات بيئة الاستبداد والتصحّر الفكري والانحراف الفاشي. البعض كان يرى بن لادن حليفا في الجهاد الأفغاني ثم أصبح رمز القاعدة والعدو الأول للغرب.

لكن البغدادي وأمثاله ممّن ربطوا الخلافة المزعومة باستحواذ المسلمين واستعبادهم وإلغاء كل الآخرين، يمثلون خطرا داهما على المسلمين في المقام الأول وهم عقدة المسألة الشرقية الجديدة في حربهم المعلنة على الكيانات القائمة وعلى كل تنوع في الإسلام أو خارجه. وهذا المرض يزداد حدة في الصدام مع مشروع ولاية الفقيه في التنافس على زعامة وقيادة الأممية الإسلاموية. وتضطرب الأمور أكثر مع احتدام الصراع الإقليمي وعدم وجود حد أدنى من الوفاق الدولي مما يمد بعمر النزاعات ويترك الحبل على الغارب للتطرف والإرهاب.
لوحة: محمد خياطة

إن الدولة العربية ما بعد الاستقلال هي في الغالب ثمرة نكبة 1948 في المشرق وصعوبات نزع الاستعمار في المغرب، وعدا حالات محدودة لم يكن من مكان لدولة القانون (أو لدولة الحق) من التي تعكس تمثيلاً حقيقياً لمجتمعاتها وتكون الأولوية فيها لمفهوم المواطنة (على حساب الرابط الديني أو الفئوي).

على صعيد التسلسل التاريخي فشلت أول محاولة نهضوية عربية في أواخر القرن التاسع عشر والتي أتت كردّة فعل على الاستبداد العثماني، وأخفقت بعد ذلك دول الاستقلال إثر انتكاسات التيار القومي العربي الذي بلور مشروعاً نهضوياً كرد على النكبة في فلسطين، لكنه كان يفتقد إلى الديمقراطية والتمثيلية كأدوات صالحة للحكم. وهكذا فإن نكسة يونيو 1967 معطوفة على انعدام الحريات الأساسية قوضت المحاولة الثانية. وتأكد مأزق عدم وجود ديناميكيات قادرة على التغيير نتيجة عدم بلورة مشروع ديمقراطي عربي ينهل من التراث العريق ويتأقلم مع متطلبات العولة في عالم تسوده التجمعات الكبرى، خاصة أن الحلول للأزمات ضمن إطار الكيانات لم تكن ناجعة.

كشف عبدالرحمن بن خلدون، ابن أفريقيا (كما كانت تسمى تونس)، عن العلة المؤدية لخراب المراحل الانتقالية في “الصحوة العربية” الراهنة والمتعثرة عندما وصف في “مقدمته” الاستبداد بـ”العسف الذي يؤدي إلى خراب النفوس وفساد النوع″، هذا الاستبداد الذي عاد الكواكبي ابن حلب وتمعن في تفصيل طبائعه ومآلاته، إنه لا يقتصر على طغيان الحاكم وجوره، بل يمتد لعدم الاعتراف بالآخر وإنكار حقوقه وتعميم ثقافة الإقصاء باسم الأيديولوجيا أو تحت ستار الدين.

في مراقبة لأحوال دنيا العرب يمكننا إجراء مقارنة بين لبنان (وسوريا استطراداً) وتونس (ومصر استطراداً) حيث تتعدد نقاط التشابه الثقافي والتفاعل الفكري وإشكاليات الهوية والحداثة. وإذا أردنا فهم أسباب الانشطار السياسي الحاد وتفاقم العنف السياسي، لا بد من العودة للخلفية الثقافية للمجتمعات العربية. وفي هذا الإطار كان ابن خلدون قد تبنى نظرة موسوعية للتاريخ العربي تفيدنا اليوم في فهم أسباب التخلف وعدم القدرة على اللحاق بالعصر.

وحسب الأنثروبولوجي الأميركي الراحل إيريك وولف “حلل ابن خلدون في القرن الرابع عشر عملية بناء التحالفات وتفككها ببراعة فائقة، فلقد رأى الأمر في شكل تناوب متصل بين تضامن القرابة “العصبية القبلية” من جهة، وتنوع المصالح الملازم لحياة الاستقرار من الجهة المقابلة”. وذهب ابن خلدون بعيدا في منهج يتخطى الاعتبارات القبلية والعرقية والدينية ويعتمد على الفروع الفاعلة المؤثرة المساهمة في صوغ النهر العام.

بيد أن التبني السلبي لنظرية العصبية جعلها معبرا للاستبداد والتحكم بدل أن تكون عنصر قوة للدولة والجماعة. ويسري ذلك على إعطاء الغلبة للحسابات الفئوية والقبلية والمناطقية والأيديولوجية والدينية في مراحل تحول تفترض التفتيش عن القواسم المشتركة في مراحل البناء الانتقالي.

مما لا شك فيه أن هذا المأزق السياسي والعملي هو مأزق فكري يتصل بالجدل حول العلمنة والمواطنة ونموذج الحداثة المناسب. مقابل الأيديولوجية الإسلامية التي تركز على الأمة وتنسى الأوطان

إذا بقينا في المجال الفكري وطرحنا أسئلة ملحة حول صلة الشورى بالديمقراطية ضمن المسار القاضي بضرورة تحديث نظام الحكم، ودور الدين والتراث في عالم متحول، نستنتج بسرعة أن مرحلة الحكم القوي حوّلت عالم العرب إلى صحراء فكرية. وتكمن الخطورة في التركيز على مؤامرات دون التحلي بالشجاعة لممارسة النقد الذاتي وتحمل المسئولية في المخاض الانتقالي الذي لن يكون دربا مفروشة بالورود بل مرحلة يزدحم فيها اللااستقرار مع الجدل الفكري والمتاعب الاجتماعية.

يعتبر البعض أن الديمقراطية هي التجسيد الفعلي والتاريخي لمسار الحداثة، لكن الديمقراطية ليست هي الترياق للمشاكل البنيوية ولمعضلة إيجاد صيغة الحداثة الملائمة. وهنا يكون الإشكال حول دور مؤسسات مثل الجيش ومدى اقترابه من طرح حداثي أو ماضوي تبعا لطبيعته السلطوية.. ويصل الأمر إلى المؤسسة الدينية وإسهاماتها أو دورها التابع أو الجامد أو المعطل. ويمتدّ التساؤل إلى المجتمع المدني وإسهام المثقف في تكوينه، كما في تركيب الوعي والفكر النقدي. ولا يمكن اختصار المسائل في مجتمعات شرقية محافظة أو متخلفة عن الركب الحضاري بالتناقض بين الأصولية الدينية والعلمانية.

تتوجب محاكمة العقل العربي وآثار الأسطورة ووزن الدين والقوالب الحضارية الجاهزة من تجارب الآخرين. في العودة لابن خلدون والمسعودي وابن رشد وسقراط وما شئنا من أرباب الفكر الديني أو من الفلاسفة وأرباب البراغماتيكية الفكرية، سيتم الاصطدام بمشاكل بنيوية لأن شروط الاستنهاض الفكري تتلازم مع بلورة مشروع وطني على قياس كيانات ومشروع عربي يجمع مثالات الحرية والدين الوسيط وينطلق من توفيق بين الأصالة والمعاصرة.
من دون هكذا واقعية في المقاربة سيشبه الجدل الفكري الجدل البيزنطي ونبقى ننتظر غودو الفكري من دون طائل. إذا لم تتحمل النخب العربية مهما كانت ألوانها وانتماءاتها في إطلاق حوارات منتجة سينتصر اللامعقول ويبقى أفق المجتمعات العربية حائرا بين التفتيش عن حداثة غير مرتسمة، أو بربرية العودة إلى الظلامية. إن زاد أيّ مفكر أو مثقف هو الوعي المرتبط بالحرية لتحديد المشكلات وتمحيصها وطرح الحلول من خلال مشروع حضاري منفتح تطغى فيه النظرة الإيجابية إلى المستقبل لأن الانحطاط ليس هو القدر، بل تكمن البداية في معركة دون هوادة ضد الجهل والتجهيل والتعميم وعدم الاعتراف بالآخر.

كاتب وأكاديمي من لبنان مقيم في باريس

15