المواطنة والفكر النقدي خطوط الدفاع الأولى ضد الطائفية

هل إيران أقوى من الأنظمة والشعوب العربية كي تتمكن من الاختراق السريع لمنظومة مجتمعية ودينية وسياسية عريقة جدا؟ وهل للوجه المقابل للتطرف الطائفي الإيراني (الإسلام السياسي العربي) دور في تسهيل ولوج الطائفية إلى العرب؟ ما هي آليات صناعة الميليشيات الطائفية المسلحة بهذه السرعة (نسخة سنية كداعش أو الإخوان أو نسخة شيعية كقائمة الميليشيات الطويلة في العراق وسوريا واليمن ولبنان)؟ وكيف يمكن الردّ على هذا الاختراق بأدوات تلتزم المدنية ومكافحة الخرافة وترسيخ العقلانية؟
الأربعاء 2016/09/14
المواطنة للسير أماما بمستقبل آمن للعرب

أحد قادة الحرس الثوري الإيراني حسين همداني أكد في أكثر من مناسبة أن إيران تريد تشكيل جماعة مسلحة في سوريا تكون نسخة معدلة عن حزب الله اللبناني، وقد أطلق عليها فعلا اسم “حزب الله السوري” بعد أن كان اسمها الرسمي “المقاومة الإسلامية في سوريا”.

هذه الميليشيا هي تقريبا أحدث زمرة مسلحة تشكلها إيران وحلفاؤها في سوريا، فضلا عما شكلته في العراق وما تدعمه في اليمن ولبنان (أي الحوثيين وحزب الله اللبناني). لكن سرعة تشكيل هذه الجماعات وقبولها اليسير بطبيعة المهمة الموكولة إليها وهي القتال في الجبهات ضد المعارضة السورية المسلحة يثيران العديد من التساؤلات حول طبيعة العقل الطائفي العربي، وكيف أن قوة خارجية ليست عربية ولها كيان ثقافي ولغوي وأيديولوجي مختلف عن طبيعة السكان العرب يمكن لها أن تتغلغل في النسيج السكاني وتصطفي منه مقاتلين وتحولهم إلى كتلة من الطاقة الدموية القتالية الموجهة ضد أهل البلد ذاته.

العقل الطائفي

لا ينفصل الهدف الاستراتيجي العام في الهيمنة الإيرانية على المجال العربي كاملا عن التكتيكات التي تقوم بها من أجل تحقيق درجات متقدمة من تلك الاستراتيجية. وقد عبر عن ذلك وبشكل صريح نائب الرئيس الإيراني علي يونس حين قال “إن إيران أصبحت الآن إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها حاليا بغداد، وهي (أي بغداد) مركز حضارتنا وثقافتنا كما كانت في الماضي”.

هذا الثابت السياسي الاستراتيجي لدى إيران يمكن أن يكون مرجعا تفسيريا لما يحدث في الشرق الأوسط منذ بدء الحرب العراقية الإيرانية في أوائل ثمانينات القرن الماضي والتي انتهت ببيان انتصار العراق في أغسطس 1988. ولم تنس طهران الخميني أن هذه الهزيمة سوف تكون محفزا على العودة للانتقام لاحقا والمشاركة في احتلال العراق جنبا إلى جنب مع القوات الدولية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية (الشيطان الأكبر حسب الدلالة الخطابية الإيرانية الرسمية). وكانت أولى الآليات التي خربت بها إيران العراق هي آلية صناعة الموت الطائفي بنشر الميليشيات الطائفية المشبعة بخرافة الولاء لنظام الخميني عبر نقاط ارتكاز دينية تتمثل في البعض من المرجعيات التي تقوم بدور تمرير الأجندة الإيرانية في شكل فتاوى للقتال والتحشيد.

الدور الآن يتوقف عند العرب أنفسهم في صناعة أسوار الدفاع الأولى وأسوار عقلية وفكرية بالأساس، للتخلص من الخرافة ومنابع النزوع نحو تفكير يجعل من الدين مطية وخلطه بما هو سياسي

ويرتكز العقل الطائفي بالأساس إلى سلسلة من الأفكار المترابطة في ما بينها، تنطلق من تعريف أولي للطائفة على أنها شكل من أشكال التواجد الديني والتي تتمايز بمقولات مختلفة عن باقي المتدينين، ويمكن أن توجد طوائف صغرى داخل الطائفة الكبرى والمنحدرة من شخصيات تاريخية أثرت في تصورات الناس والمريدين والمقربين فأصبحت تيارات.

هذا التمايز يجب أن يبقى (وفق آلية تفكير العقل الطائفي) أبديا ولا يجب أن يفتر لأنه سرّ بقاء الطائفة في ذاتها ككيان متمايز لدى المتدينين والمعتقدين في الدين، وتبحث الطائفة لنفسها بشكل دائم عن مبرر وجود: إما داخل النص الديني ذاته (الأفضل أن يكون النص المؤسس الأول كالقرآن مثلا) أو داخل الوقائع والسلوكات والأحاديث الصادرة عن الشخصيات المقدسة كالرسول أو صحابته أو آل بيته. ومن ناحية أخرى فإن المبرر يمكن أن تجده الطائفة في صناعة “مظلومية” تكون محفزا دائما لأفرادها على الإحساس بالذنب أو الحاجة إلى الانتقام والثأر وغيرهما فيكون وجود الطائفة مرتبطا بأسطورة أو حكاية يمكن أن تكون قد حدثت بين شخصين قبل العديد من القرون.

تحاول إيران استعمال هذه المداخل بالنسبة إلى أتباع الطائفة الشيعية كي تعيد إنتاج فكر طائفي قائم على إيجاد عداوة تبرر الحروب الطائفية التي تحدث، وهناك من يسقط بسرعة في هذا الفخ الأيديولوجي الذي تصنعه الأجهزة الإيرانية بتنسيق بين ما هو ديني وأيديولوجي وعسكري واستخباراتي ومالي. فتكون بذلك الأدبيات الشيعية مادة لتحويل العقول إلى شحنات هستيرية عنيفة تبحث عن ملء فراغ نفسي تمّ إحداثه عبر عمليات غسل الأدمغة في المدارس والمزارات والمعابد التي يشرف عليها رجال دين من أتباع النظام السياسي الإيراني وليس من أتباع المذهب الشيعي الذين يعدّون جزءا من التركيبة الطائفية العادية والطبيعية للمجتمع العربي المتكون من طوائف أخرى متعايشة في ما بينها طيلة قرون. وكي يكون أمر حمل السلاح منطقيا لدى الميليشيات الشيعية التي صنعتها إيران سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن أو حتى نيجيريا مع جماعة إبراهيم الزكزاكي، فإن وجود كيان طائفي معاد ويتظاهر بأنه النقيض يعتبر أمرا ضروريا كي تكتمل عناصر التناقض الطائفي الذي يرسم الحدود المطلوبة بين الجانبين، وبالتالي تعمل طهران من خلاله على إرساء موازين قوى جديدة تعتمد رسم صورة معينة للطائفة النقيضة (التي يمثلها تنظيم داعش حسب المخطط له).

الحاجة إلى تطرف سني

لقد قامت الدوائر الإيرانية باكتشاف لحظة التطرف السني الذي كان التنظيم يمثله بشكل عنفي واضح وعالمي بعد أن اكتسب خبرة ومعرفة واسعتين من جماعة الإخوان المسلمين، التنظيم الأم لكل التنظيمات الإرهابية الإسلامية، وتركته يتطور في اتجاه تنمية قدراته العسكرية والمالية والتنظيمية دون أن تغفل فكرة استغلاله في الشرق الأوسط عبر استفزاز عناصره واستدراجها إلى عدد من الدول التي تريد طهران الهيمنة عليها، خاصة العراق وسوريا ولبنان واليمن، أي الطوق الذي يحيط بالخليج العربي الغني بالنفط والذي يحتوي على العاصمة الدينية الإسلامية الرئيسية مكة.

علي يونس: إيران أصبحت الآن إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها حاليا بغداد

بعد تفكك تنظيم القاعدة وتلاشيه في العراق على وقع العمليات المكثفة التي قام بها كل من الجيش الأميركي والاستخبارات العالمية الحليفة له، أصبحت البعض من القوى في حاجة إلى تنظيم مماثل للقاعدة وربما أشدّ عنفا وتطرفا منه، فما كان لها سوى أن تشكل تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر في وقت ما على الشمال الغربي للعراق منتشرا في أراضي محافظات السنة وهي الأنبار وصلاح الدين بالأساس. هذا التواجد سمح للإيرانيين بشكل مباشر أن يتدخلوا في العراق عبر مسؤوليهم الرسميين وبشكل معلن وواضح، مثل قاسم سليمان الجنرال الإيراني الذي يقود الحشد الشعبي في تخوم مدينة الموصل، ووجود العديد من الميليشيات التي تشكلت بأمر مباشر من طهران في العراق.

وفي ما يتعلق بسوريا، فإن داعش مثل فرصة للإيرانيين كي يتم تشكيل الميليشيات بناء على دعوات طائفية مبنية على خيالات يتم بثها بكثافة في وسائل الإعلام، مثل حماية المقدسات والمقامات وغيرها. كما يتم تحويل شحنات خطابية دينية عنيفة إلى نوع من النداء إلى القتال، وذلك بهدف تحشيد عناصر باكستانية وأفغانية وغيرها من دول عديدة هاجسها في القتال لا يعدو أن يكون إلّا تحشيدا طائفيا أو رغبة في الحصول على مبالغ مالية هامة تحت غطاء طائفي.

استغلال إيران لقوة تحشيدها الطائفي ليس مستقلا عن ضعف مقابل، وهو ضعف الدولة العربية في ضبط الميزان المجتمعي الديني لمجالها الحضاري وإقامة حصون للدفاع عن الاستقرار في تلك الدول وعدم ترك أيّ فراغات لولوج التهديدات الطائفية الإيرانية التي تتسرب بأشكال مختلفة.

ضرورات المواجهة

يرى مراقبون أنه في ظل تراجع قوة الدولة في تغطية كل الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها في عالم متحول وسريع، فإن ترك مسألة إفراز قيم مجتمعية عقلانية ومحصنة من الخرافة والطائفية والنكوص الفكري يكون عبر ترك المساحة للمجتمع المدني والحركة الثقافية العقلانية والفنية حتى يكون التطرف مسألة مُلغاة في المخيال الجمعي، كما لا يمكن لأي قوة إقليمية أن تكون عنصرا مغذيا للانقسام الطائفي أو الديني لأنها تريد التوسع وتصدير نظامها الديني إلى محيطها بمنطق “عالمية دينية” مثل الذي تقوم به الأيديولوجيا الإيرانية.

إيران ليست أقوى من الدول العربية، وطريقة إيران في إثارة النعرات الطائفية والدينية داخل الدولة العربية أصبحت معروفة وواضحة، الدور الآن يتوقف عند العرب أنفسهم في صناعة أسوار الدفاع الأولى وأسوار عقلية وفكرية بالأساس، للتخلص من الخرافة ومنابع النزوع نحو تفكير يجعل من الدين مطية وخلطه بما هو سياسي.

صحافي من تونس

6