المواطنة و"بناء الكنائس" في مصر

الاثنين 2016/08/29

المناقشات والحوارات التي جرت حول قانون “بنـاء وترميم الكنـائس” في مصر خلال الأيام الماضية، كشفت عن جملة كبيرة من الرسائل السياسية المتنوعة، وأكـدت أن منهج الضغوط لن يؤدي إلى ترسيخ مبدأ المواطنة.

ربما تكون هناك مظالم واقعة على الأقباط منذ سنوات طويلة في ما يتعلق بهذه القضية، لكن استثمار الظروف السياسية الحرجة التي تمر بها البلاد لتحقيق مكاسب معينة قد تكون له تداعيات مجتمعية خطيرة، لأنه يقر مبدأ الابتزاز، ويوسع مساحاته بطريقة تفضي إلى عواقب وخيمة في قضايا مهمة تمس فئات أخرى في المجتمع المصري تشعر بالظلم أيضا.

اللهجة الحادة التي استخدمتها جهات كنسية في مصر مع الحكومة، لم تكن مألوفة من قبل، وإذا كانت مفهومة في إطار قضية يسعى الأقباط إلى إغلاقها منذ فترة وفشلوا، فإن روافدها حاليا بحاجة إلى التعامل معها بقدر من الحذر والحكمة، خشية أن تؤدي إلى مشكلات أكبر، تمس العلاقة بين المسلمين والأقباط، التي تبدو في ظاهرها طيبة، لكن في جوهرها تحمل عناوين كامنة للتوتر، تتفجر عند أي اختبار بسيط يكون طرفاه، مسلما ومسيحيا.

القانون الذي وافقت عليه الحكومة المصرية بعد تفاهمات مع قيادات كنسية أخيرا، سوف يأخذ طريقه قريبا إلى البرلمان، ومرجح تمريره بالصيغة المرضية للأقباط، بشأن تسهيل الحق في بناء وترميم الكنائس، وإزالة حزمة من العقبات وقفت عقبة كأداء في طريقه، لكن المشكلة التي يمكن أن تترتب عليه تنبع خطورتها من جانبين.

الأول، من المتوقع أن يتسابق الأقباط على بناء عدد كبير من الكنائس وترميم أخرى، كنوع من التعويض عن الحرمان النسبي خلال عقود ماضية من ممارسة هذا الحق بحرية كبيرة، وهو ما يمكن أن يستفز، تقليديا، قطاعات من المسلمين المتشددين، إما للاحتكاك بعناصر من المواطنين الأقباط، وأما السباق لبناء المزيد من المساجد، التي يتم تشييدها بسهولة أكبر، وبتعقيدات بيروقراطية أقل.

في الحالتين، ستواجه مؤسسات وأجهزة الدولة موقفا غاية في الحساسية، يجعلها مضطرة للتدخل لفض الاشتباكات المنتظر حدوثها، لذلك لجأت الأنظمة المتعاقبة لمسار المراوغات للتنصل من إقرار قانون “بناء وترميم الكنائس”، حتى وجدت نفسها بين فكي رحى؛ إما الموافقة على القانون وفقا لصيغة ترضي طموحات الغالبية العظمى من الأقباط، وأما مواجهة طوفان من الغضب، في وقت يعد هؤلاء أحد أهم القواعد السياسية التي يستند عليها النظام الحاكم، الذي يحاول صد رياح تهب عليه من الخارج، وعواصف لا تهدأ في الداخل.

وبدت الأجواء السياسية غير مواتية لتحمل تكاليف باهظة لأي غضب قوي من الأقباط، وسط تربص جهات تمنت وعملت من أجل الوصول إلى درجة مرتفعة من الفتنة الطائفية في مصر، لهز بعض الركائز الأساسية.

بالتالي فإن موافقة الحكومة على القانون، فرضتها حسابات سياسية معقدة، ما يعني أن مسلسل الهروب والمراوغات لن ينتهي تماما، خاصة إذا غابت الحنكة عن بعض الأقباط، وتعاملوا مع القضية باعتبارها مغنما كبيرا، وفرصة يجب انتهازها بجدارة.

أما الخطورة الثانية، التي ينطوي عليها القانون، أنه فرّغ عملية المواطنة التي ينادي بها غالبية المصريين من المضمون الحقيقي لها، وحصرها في نظر الأقباط الذين دأبوا على الشكوى من عدم معاملتهم على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، في بناء وترميم الكنائس فقط، دون اعتبار أن هناك مجموعة من المظالم والنواقص تطال المصريين بكل فئاتهم وعقائدهم، لا تفرق بين مسلم أو مسيحي، فقير أو غني، مثقف أو جاهل، فالكل في الهم مصريون.

المواطنة بالصورة التي تضمن للجميع المساواة، واحدة من القضايا التي شغلت، ولا تزال تشغل، بال فئة عريضة من النخبة المصرية، لأن توافرها يعتبر المدخل الصحيح لدولة تنشد العدالة، ويمكن أن يكون لها أفق حضاري بين الأمم.

لكن البحث عن تحقيق المطالب الفئوية، بأي صورة أو طريقة، يقلل من قيمة هذا الهدف، ويرسخ مفاهيم الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية، ويصيب الفكرة الرئيسية للمواطنة في مقتل، فالحصول على ميزة من نوعية بناء كنيسة أو مسجد، قد يحقق فوائد لحظية، لكن في النهاية يسير عكس الاتجاه، لأنه يفضي إلى نتائج تكرس التطرف على الجانبين (المسيحي والمسلم)، ما يعوق المواطنة، ويجعلها ترتطم بمصدات توقف النمو الحضاري المطلوب.

إذا لم تنتبه الحكومة والكنيسة إلى الواقع الاجتماعي المليء بالثقوب والعيوب، والتعامل مع القضية في إطار الحقوق والواجبات التي تفرضها المواطنة الصحيحة، فسوف يواجهان واقعا أشد سخونة، مما كان عليه الحال من قبل. لأن الأدوات اللينة (السياسية والاجتماعية والدينية) التي تستخدمها مؤسسات الدولة ستفقد أهميتها، عندما ترتفع درجة الغليان المجتمعي، ويسود التربص بدلا من حسن النوايا، والشك بدلا من الثقة، يومها سوف تتكاثر المشكلات بما يتجاوز بناء أو ترميم كنيسة.

الأوضاع التي تعيشها مصر، لا تحتمل فتنة طائفية كبيرة، أو زيادة حجم المطبات الداخلية، لذلك فالبحث عن صيغة شاملة ومتوازنة لتعميم مفهوم المواطنة، خطوة ضرورية في الوقت الراهن، لغلق الباب أمام الفتن التي يمكن أن تتسرب بسبب تصرفات خاطئة، وهو ما يتطلب الابتعاد عن سياسة العلاج بالمسكنات، التي تُمنح للمريض عندما يشتد عليه الألم، لأنه سيعاوده بمجرد انتهاء مفعولها.

للمواطنة خطوات عملية، تتعدى حدود الخطاب الدعائي المعروف، حتى تكون لها مردودات إيجابية، أهمها تفعيل مواد الدستور بشكل يضمن المساواة ووقف جميع الاستثناءات، وتنشيط أدوات المحاسبة ومحاربة الفساد، مهما كانت الجهة التي تقف خلفه.

كذلك إعادة النظر في مناهج التعليم التي يحض بعضها على العنف والتعصب الديني، ومواجهة المتشددين على الجانبين بسيف وعدالة القانون، وفتح المجال لتولي الوظائف العليا دون التفات إلى خانة الديانة. ناهيك عن مراعاة المحددات التي تعلي من شأن وقيمة تطبيق منهج “الحقوق والواجبات دون استثناء لأحد”، لأنها الباب الكبير لتعميم المواطنة التي غابت بعض مفاصلها الأساسية عن مصر.

كاتب مصري

9