المواطنون الجدد

الخميس 2013/10/17

مؤخراً أعلنت سبع عشرة دولة عن رغبتها في احتضان لاجئين سوريين، من الذين لديهم «حالات خاصة»، ووفقاً لتعريف الحالات الخاصة لكل دولة من تلك الدول سيكون لزاماً على قرابة المليوني لاجئ سوري مسجّل لدى مفوضية الأمم المتحدة، أن تكون حالتهم خاصة كي تشملهم تلك الالتفاتة الأممية الكريمة ويتخلصوا من الظروف القاسية التي يعيشونها، في ظل انعدام شبه كامل لأي وسائل للعمل أو للدراسة، واستحالة عودتهم في القريب إلى بلدهم الذي هُجّروا منه قسراً.

تحمل المأساة السورية الراهنة صورة سقيمة لحال النظام العالمي بأسره، فالحل السحري الذي تبحث عنه الأمم المتحدة «للتخفيف من معاناة اللاجئين» ورفع «الأعباء عن الدول المستضيفة» والكلام هنا حرفي من تصريحات متلاحقة للمسؤولين الأمميين بدءاً بالأمين العام وانتهاء بسكرتير صغير في إحدى مكاتب المنظمة الدولية في إحدى الدول، وهم ضيوف دائمون على وسائل الإعلام يشرحون ويحللون الوضع السوري من وجهة نظرهم الإغاثية، ذات البعد الإنساني.

يكمن ذلك الحل أصلاً في إنهاء المشكلة السورية عبر إزاحة بشار الأسد عن السلطة بالوسائل المتاحة، لكنّ «المجتمع الدولي» يظل متجاهلاً هذه الحقيقة، مستنفراً طاقاته كلها للحد من تسرب اللاجئين راكبي البحر إلى دول أوروبا المرهقة أصلاً بأعباء اقتصادية، ويُستبعد، في الأفق المنظور، التخطيط لإعادتهم إلى وطنهم، بل تترك الأمور تأخذ شكلاً ذا أبعاد تراجيدية تتيح مزيداً من التعاطف من قبل ممثلي تلك المنظمات، سواء أكانوا ممثلين أم سياسيين، حيث قامت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي بعدة زيارات إلى مخيمات اللاجئين السوريين، وقد ناشدت العالم التدخل لإنهاء معاناتهم. بالمقابل لم نر مثل هذا التعاطف من ممثلين وفنانين عرب، فقد اكتفى بعضهم، وفي أحسن الحالات، بالوقوف بين مجموعة من اللاجئين والتقاط صورة، ستضاف إلى صور ألبوماتهم.

خلال الفترة المنصرمة، حذرت المنظمات الدولية، ومع اقتراب فصل الشتاء من أن اللاجئين السوريين سيكونون على أعتاب مرحلة جديدة من الموت البطيء، وربما السريع، بسبب شتاء قارس قرر أن يضرب المنطقة هذا العام، وقد بدأت ملامح هذا الشتاء بالتشكل شيئاً فشيئاً، وقد لا يتأخر المطر كثيراً قبل أن يغرق الخيام و «الكرفانات» وقد يقتلع بعضها، تاركاً الملتجئين تحتها نهباً لنوع جديد من التشرد، وقد استنفرت المنظمات الدولية عامليها للبحث عن حلول طارئة تكون كفيلة بالوقاية من برد الشتاء، فكانت النتيجة توزيع عدد من البطانيات الإضافية، وربما في وقت لاحق سيتم نقل بعض ساكني الخيام إلى «كرفانات» تبرعت بها دول عربية مثل السعودية والإمارات وقطر، ولا يمكن توقع أكثر من ذلك، وخاصة بعدما أعلنت إحصاءات دولية أن هذه الدول الثلاث تحديداً قد تبرعت بأكثر مما هو مطلوب منها أصلاً.

لا يكاد يمر أسبوع دون أن تشهد شواطئ الضفة الأخرى من المتوسط قدوم سفينة تقلُّ مهاجرين غير شرعيين، دفعوا مبالغ طائلة كي يصلوا إلى العالم الهادئ نسبياً، ويصبحوا مواطنين جدداً، لكن قبل ذلك عليهم أن يمروا بمجموعة من المصاعب والموت المحتمل.

رحلتهم المحفوفة بالمخاطر تقودهم إلى رحلة من نوع مختلف، فما أن تطأ أقدامهم اليابسة حتى تعتلي الأسئلة وجوههم؛ أي بلدان اللجوء أنسب لنا؟ فالخيارات المتاحة تكاد تضيق شيئاً فشيئا وخاصة إذا عرفنا أن الإعلانات التي أدخلت بعض الارتياح على قلوب «المشردين» هي نفسها الإعلانات التي أصابتهم بالخيبة، حين بدأت التفاصيل تتسرب ببطء شديد حول الشروط المطلوب توافرها في من يمكن أن يتم قبوله لاجئاً في العالم الجديد، وترهق قائمة الشروط أذهان أولئك المرهقين أصلا، فلكل واحد منهم حكاية، ولكنه بالمقابل يخشى أن تكون حكاية جاره في الخيمة المجاورة مقنعة أكثر للخبراء الأمميين، وهم يدونون ملاحظاتهم على دفاتر صغيرة، ثم يعيدون صياغتها لتتناسب مع اللغة العالمية المليئة بالاستجداء.

على الضفة الأخرى ثمة حساء ساخن، وابتسامات مطمئنة خبيثة يجود بها رجال الشرطة وهم يدققون في تفاصيل الأشخاص.

تروى حكايات عن مصريين وعراقيين ركبوا البحر على أنهم سوريون، ودخلوا العالم الجديد من باب سوري، وتحولوا بفضل جواز سفر مزور إلى مواطنين جدد في تلك العوالم الساحرة، التي سيبدؤون فيها حياتهم الجديدة، لكن تلك الحياة الجديدة سوف تنقلب جحيماً ما إن يصطدموا بحقائق كانوا غافلين عنها وربما لم يخبرهم أحد عنها، فأبواب الجنة لن تفتح لهم بل إن معاناتهم ستأخذ شكلاً مختلفاً ما بين «كامبات» اللجوء، ومعاملات الأوراق التي لا تنتهي، وإشكاليات اللغة والمعيشة المختلفة.

«ليس اللجوء حلمنا، لكننا نريد أن ننجو من الموت» هكذا يقول أكثر من لاجئ وهو يسعى بين المهربين راجياً أن يتم نقله وأسرته قبل فصل الشتاء، أي قبل أن يفقد المتوسط مزاجه الهادئ، ويضرب بقوة، ساعتها ستكون المغامرة أقرب إلى الانتحار.

عشرة آلاف لاجئ هو الرقم الذي سيكون على سبع عشرة دولة استقباله، وهؤلاء سينتظرون أشهراً طويلة قبل أن يتلقوا ذلك الاتصال المنقذ، بينما الوضع المعقد يذهب إلى الانحدار أكثر فأكثر، ويبشر كل يوم بمزيد من النازحين، فهل سيصبح المواطنون الجدد واقع حال العالم الجديد بعد سنوات، وسيفرضون كما هي العادة دائماً، نوعاً جديداً من المواطنين تتنازعهم هويات وانتماءات وعذابات؟


كاتب سوري

9