المواطن أولا.. إن سلم سلم الوطن

الجمعة 2017/06/02

تغنى الفنان الكبير لطفي بوشناق بالوطن وأبكى كل من استمع له وهو يترنّم “خذوا المناصب والمكاسب بربي خلولي الوطن”، وتأثر الناس بها حتى أصبحت هذه الكلمات شعارا للمرحلة، تقودها وتصوغ العقل الجمعي لهم “خذوا المناصب والمكاسب، فقط اتركوا الوطن”.

ولم يكتف الرائع بوشناق بهذا بل أعلن بلسان حال الأغلبية إن لم يكن كل الناس البسطاء “أنا حلمي بس كلمة أن يظل عندي وطن، لا حروب لا خراب لا مصائب لا محن”. وأغفل أن الحروب والخراب والمصائب والمحن سببها من يجلسون على الكراسي ويتولون المناصب، فإن أخذوها هم في الحقيقة أخذوا الوطن.

كلمات الأغنية في رأيي رغم عاطفيتها التي تأتي منسجمة مع موروث أن “الجميع فداء الوطن”، هي تكريس لمنطق مقلوب يقدّس التراب ويدوس على الإنسان فيسحق كرامته ويمتهن إنسانيته، يتناسى أن لا أحد نبت من هذه الأرض، وأن لا أحد اختار مكان ميلاده.

كلمات الأغنية هي أنموذج لوهم نتوارثه، يقول هذا الوهم إن طالب الولاية لا يولى، وإن المناصب رجس من عمل الشيطان، وإن الحكومة والعمل من خلالها دنس وجب التطهّر منه.

لقد أدخلوا في أذهاننا وبرمجوا عقولنا وغرسوا في وجداننا أن الوطنية تكمن في الترفّع عن المناصب ليحتكروها ثم يذيقونا سوء العذاب، ذلا واستعبادا. كما أقنعونا باسم الدين أن التقدم لتولي منصب منقصة ومخالف للزهد والورع، وهو سبب للحرمان من رضى الديان. وهكذا خلت الساحة لسقط المتاع، وتولى سفهاء القوم المناصب هنا وهناك، وأصبح مصير المواطن بيد من لا يملك خبرة ولا يفقه في شؤون الحكم شيئا، فكانت النتيجة كما نرى، معيشة ضنك وحياة بؤس.

فماذا نتوقع أن يكون أداء أي حكومة أو برلمان أو أي مؤسسة، وقد انسحب من شغل وظائفها ومناصبها الأكفاء بحجة أن “طالب الولاية لا يولى”، وأن من يقبل بهذا المنصب أو تلك الوظيفة “خائن لدماء الشهداء متاجر بها”، فلا عجب أن نحصد ثمار ما زرعنا.

هذا المنطق الذي يرى الوطن هو المهم، وفي نفس الوقت يتنازل عن المنصب والكرسي لمن يعلم يقينا أنهم سراق وعديمو خبرة لو أحسنا الظن، هو من قبيل “فخَرَّ عليهم السقف من تحتهم”.

هو الوهم والسفه أن نعتقد أن الوطن سيبقى لو تركنا أمر إدارته لحفنة من اللصوص عديمي المروءة والشرف، وهو منطق يرفضه القرآن الكريم الذي ندعي أننا كمسلمين به مؤمنون وعنه مدافعون، تأمل معي ما جاء في سورة يوسف عليه السلام حيث نقل الله لنا طلب نبيّه يوسف لمنصب رفيع بل وزكى نفسه وقدم سيرته الذاتية ومؤهلاته التي تؤهله لتولي المنصب وبرنامج عمله.

فقد جاء في القرآن الكريم “قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” (صدق الله العظيم)، ولم يرد في القرآن الكريم نهي عن هذا، فنبي الله يوسف علم أن المنصب والعمل الحكومي قوة تمكنه من إحداث التغيير المنشود فطلبه دونما تردد، ولم يكتف بالدعاء كي يصلح الله الأحوال، فلو كان طلب المنصب لمن هو عليه قادر وبأعبائه قائم أمر معيب لما فعله نبي مرسل، بل هو فرض وأمر مطلوب لهذا سعى إليه نبي الله يوسف وتحصل عليه، ونفذ برنامجه وأنقد شعبه بل شعوبا كثيرة من مجاعات وحرمان.

إن فصل الوطن عن المواطن وفصل المواطن عن الحكومة هو في حقيقته فصلنا عن الحياة الكريمة وانسحاب من ميدان العمل إلى صوامع الدعاء وحوائط فيسبوك ندعو ونندب حظنا، باعتبار المناصب رذيلة ينبغي الابتعاد عنها ونجاسة ينبغي التطهّر منها. لقد ظل مفهوم الموت في سبيل الوطن شعارا مقدسا، والذود عن الأرض عقيدة لا تقبل التشكيك، فكل الأرواح والدماء فداء لحبة رمل من وطن.

دعوني أسأل ما قيمة وطن دون مواطن، ما جدوى امتلاك أرض دون القدرة على العيش عليها بكرامة وعزة، تصان فيها الحقوق وتحترم فيها آدمية الإنسان؟ فتوجيه طاقاتنا للموت في سبيل حفنة من تراب هو في رأيي نوع من الاستغفال لنا، فالواجب أن نقاتل ونجاهد ونعمل من أجل أن يكون المواطن مواطنا كريما عزيزا، الاعتداء عليه خط أحمر قانٍ، فباسم الحفاظ على التراب يهيلون علينا التراب ويدفنوننا أحياء، لنبقى نتنفس ونتناسل ونأكل ما يتفضلون به علينا من فتات، فباسم الدفاع عن الوطن نموت نحن ويبقون هم.

لقد أرشدنا الحق سبحانه وتعالى إلى قيمة الإنسان وأنها قيمة لا يعلو عليها شيء ولو كان هذا الشيء “بيته الحرام”، فكان هدم الكعبة، نعم هدم الكعبة، أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم. ومع هذا يطلبون منا الموت لأجل وطن قرروا هم حدوده ومن ينتمي له ومن لا ينتمي، ولم نسمع منهم حسّا ولا ركزا والناس تذل وتهان لأجل الحصول على أبسط حق لها في الحياة.

سيتهمني البعض بأني عميل للاستعمار أدعو إلى التفريط في الديار، أقول على مهلكم. لا قيمة لتراب يُروى بدماء من يعيشون فوقه كأرقام يسامون سوء العذاب، هم أول من يموت في معركة لا يعرفون أسبابها ولا دوافعها، ولن أقول آخر من يستفيد لأنه ببساطة لن يستفيد، فهم مجرد أرقام إما في خانة الأموات، وإما في خانة العبيد.

إني أدعو لأن نجعل من المواطن خطا أحمر، حياته، حريته، خصوصيته، كرامته، فوق كل اعتبار، إني أدعو لأن ندافع عن حق المواطن في العيش الكريم، فمتى صلح المواطن صلح الوطن، فإذا فرّطنا في المواطن ضاع الوطن. فالمواطن هو الذي يجعل من مكان ما وطنا يستحق أن نموت لأجله، أما التراب فلا يحفل بمن يسير عليه ولا بمن يعيش فوقه، هو باق في مكانه، مرت عليه أجناس شتى وسيمر عليه غيرها؛ فعندما ننتفض لأجل قيمة إنسانية وحق المواطن كاملا غير منقوص عندها فقـط يمكن القول إن لدينا وطنا، فلا وطن دون مواطن، ولا قيمـة لمـواطن تخلى عن كـل شيء لأجل تراب لا يفـرق بين أن تـدوسه دابة أو إنسان لا يملك من الإنسانية سوى شعارات جوفاء هو في نظر حكامه ونخبته رقم في قائمة الدهماء.

كاتب وصحافي ليبي

8