المواطن السوري الذي رفض اللجوء ليحرس "ظل التين والزيتون"

الأحد 2015/10/04
السوري الذي بقي في الداخل بين وحشية النظام وشكوك المعارضة

رغم الوضع المأساوي التي تعيشه سوريا، وعنف نظام الأسد الذي لا يُميّز ولا يرحم، والآلاف من الشبيحة والمرتزقة الذين علّمتهم أجهزة المخابرات مبدأ التعذيب والابتزاز والقتل بلا حساب، ورغم الوضع الاقتصادي الهش والأعمال المتوقفة والموارد المحدودة، مازال يسعى لعمله وشؤونه اليومية غير مكترث بقذيفة مرت من هنا أو أخرى انفجرت هناك، ولا يحظى بترف اختيار الطريق الأكثر أمانا، ومنذ ألف وخمسمئة يوم، يأمل في أن يمضي يومه دون أن يتذكره قابض الأرواح.

معركة البقاء

تَمسّك بالأرض وبالماضي، بما فيها وفيه من أحباب وذكريات وبقايا أماكن، وشاهد صور الملايين من اللاجئين في المخيمات البائسة في دول الجوار، وفيما بعد صورهم يغرقون في البحار، أو يهيمون في بلدان غريبة تحميهم، فأدرك صواب قراره بالبقاء.

ظل أمينا لشعار الثورة الأول: “الموت ولا المذلة”، وربط بين قراره بالبقاء في سوريا وقيمتا الحرية والكرامة اللتين انطلقت الثورة لاستعادتهما من نظام القمع والقهر والتمييز، وآلمه خروج المعارضة السورية وترك بعضهم البلد أحيانا دون مبرر، وشاهد رفاهيتها و”تسكّع” كثير من رموزها في دول العالم و”تنظيرهم” عن بعد، وجدلهم “البيزنطي” حول الحل العسكري والحل السياسي، و”تنظيرهم” على الثوار بضرورة الثبات والقتال حتى آخر رجل، فحزن وانتقدها بشدة، فثارت عليه تُشوه صورته لمجرد أنه أصر على البقاء.

إنه السوري الذي بقي داخل سوريا، وطبعا ليس المقصود الموالين للنظام وشبيحته وميليشياته وغالبية طائفته وبعضا من الطوائف الأخرى الداعمة له من منطلق أعمى، ولا تلك المعارضة الرخوة المقربة منه، بل السوري العادي من الأكثرية التي ظُلمت قبل الثورة من نظام تمييزي طائفي أمني فاسد لا يرحم، ثم ظلمها بعض المعارضين بتوجيه الاتهام لها بقربها من النظام، السوري الذي خبر قسوة النظام لكنه “درويش” لا يملك القدرة على الخروج، والسوري المعارض الصلب الذي لا يرغب أساسا بالخروج ويتمسك بالبقاء، بتحدٍ ضروري في وقت بات يخرج فيه السوريون أفواجاً ويتركون الساحة للنظام وخططه.

من بقي في سوريا؟

تناسى البعض أن من بقي في سوريا من معارضي النظام هم كثر، بل ومازالوا الغالبية العظمى على الرغم من محاولة النظام إفراغ سوريا وتهجير أهلها، فبعض من بقي مقاتلون ثوار، إن غادروا انتهت الثورة، وبعضهم معارضون ونشطاء ينقلون الحدث ويوصلون “صوت الذين لا صوت لهم” إلى العالم، وبينهم مناضلون “كلاسيكيون” متمسكون بالمكان كنوع من الصمود، فضلا عن قسم من البسطاء الذين يبحثون عن قوت يومهم، ولم يصطفوا رغم معرفتهم بسوء وعنف وفساد وطائفية النظام لأن المعارضة السياسية لم تُقدّم بديلا يُقنعهم.

من بقي في سوريا خمس شرائح وربما أكثر، أولاها شريحة تضم معارضين ومناوئين للنظم، لا يريدون الخروج، ولا يعنيهم اللجوء ولا يأبهون بالجنسيات الأخرى، فلا معنى لها دون وطن، ومتفائلون بأن انهزام النظام سيأتي قريبا، وبالإضافة إلى هؤلاء هناك شريحة تشمل مقاتلين وناشطين تبنّوا الثورة وسحرتهم أهدافها، أو حلفوا أيمانا بأن ينتقموا لقتلاهم وضحاياهم، أو جعلوا الدفاع عن قريتهم أو أرضهم أو بيتهم هدفا مقدسا.

السوري الذي بقي داخل سوريا، لا يبدو كواحد من الموالين للنظام وشبيحته وميليشياته وغالبية طائفته وبعض من الطوائف الأخرى الداعمة له من منطلق أعمى، ولا واحدا من تلك المعارضة الرخوة المقربة منه، بل السوري العادي من الأكثرية التي ظلمت قبل الثورة من نظام تمييزي طائفي أمني فاسد لا يرحم

وهناك أيضا تجار الحروب من الطرفين، مع ترجيح كفة مجرمي حرب النظام بعشرة أضعاف، وهم ممن تُشكّل الحرب بالنسبة إليهم مصدر ربح وثروات، سرقة ونهب واختطاف وحواجز وابتزاز.

وبالقرب منها تقف شريحة من موالي النظام ومرتزقته ومن المستفيدين منه والمنافقين له (وهم كثر)، فضلا عن جزء لا يُستهان به من طائفته، وهؤلاء يتمسكون بالبقاء للدفاع عن نظام ورثوه ونهبوا سوريا عبره ويأملون في أن يحكموها من جديد بالحديد والنار.

وأخيرا هناك شريحة، هي الأكبر من المواطنين البسطاء، ممّن يريد الحياة، لا يرغبون بالخروج لأنهم لم يعتادوا على التشرد، فالمكان بالنسبة إليهم ليس قبعة تتغير بسهولة، ولدوا وعاشوا ويريدون أن يموتوا في المكان الذي عشقوه وأحبوه، فالبقاء هو خيارهم الوحيد.

دمشق وحلب ودرعا وغيرها بالنسبة إلى الكثيرين الذين بقوا في سوريا ليست فندقا بل وطن، وطن يجب البقاء فيه وحمايته من أنياب نظام يريد تمزيقه، وبصرى ومدرجها وتدمر وأعمدتها وحلب وقلعتها ودمشق ومسجدها ومعلولا وكنائسها، كلها ملكهم وليست للنظام، تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وإن دمّر النظام بحقده بعضها وقوى الظلام بعضها الآخر إلا أنها لن تفنى لأن الأوطان لا تفنى، فالطغاة إلى الزوال والوطن باق.

كيف يعيش الرافضون

لا يمكن وصف عيش السوري المناوئ للنظام داخل سوريا إلا بأنه ضرب من ضروب البطولة، وفصول من المآسي والعذابات المُطعّمة بالملهاة الإنسانية، ويمكن التمييز بين طبيعتي عيش، الأولى في المدن المحاصرة المُستهدفة يومياً من قبل النظام ومن قبل تنظيم الدولة الإسلامية داعش وكتائب إسلامية أخرى لا تقل قسوة عنهما، والثانية مناطق أكثر أمنا كالعاصمة دمشق ومراكز المدن الكبرى الأخرى.

في المدن المحاصرة والمستهدفة يعاني السوريون معاناة شديدة وقهرا ووفيات بين صفوف المدنيين، حيث يخرق النظام كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية، يساعده في ذلك ويتماهى معه تنظيم الدولة الإسلامية، ويترك تصرفهما معا أو كل على انفراد تأثيرا مدمّرا على المدنيين الذين يعيشون في بؤس مطلق، ويستخدم النظام أسلوب الحصار والتجويع للمناطق الحاضنة للثوار، ويترافق ذلك مع القصف والغارات الجويّة التي أسقطت مئات الآلاف من المدنيين، وتسببت بهدم مرافق ضرورية للحياة كالمشافي والمولّدات الكهربائية وخزانات المياه، بل وتدمير مدن وقرى كاملة، ورغم كل هذا العنف والموت، يتمسك الكثيرون بالبقاء في تحد للنظام وللموت نفسه ويستسلمون للقدر من منطلق ديني أو وطني أو ربما تشاؤمي.

في مراكز المدن الأكثر أمنا، وضع النظام الحواجز ونقاط التفتيش، وأذلّ البشر وآذى الكرامة، واعتقل الناشطين عليها وعذّبهم، ومنعت مرور الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، وزادت من معاناة السكان الذين يواجهون نقصا حيويا في المواد الغذائية والمياه والكهرباء والوقود والإمدادات الطبية.

بعض من يصر على البقاء في سوريا اليوم هم مقاتلون ثوار، إن غادروا انتهت الثورة، وبعضهم معارضون ونشطاء ينقلون الحدث ويوصلون "صوت الذين لا صوت لهم" إلى العالم، وبينهم مناضلون "كلاسيكيون" متمسكون بالمكان كنوع من الصمود، فضلا عن قسم من البسطاء الذين يبحثون عن قوت يومهم

وعلى صعيد أوسع، فإن النظام دمّر مصانع وورشات ومدارس ومشافي، وافقد مئات الألوف مصادر رزقهم، فاضطروا للعمل بأي شيء مقابل أي دخل مهما قلّ، ليضمنوا استمرار حياتهم، ورغم هذا بقيت شرائح من السوريين مصرّة على البقاء لا تُفكّر بالخروج، وشرائح أخرى لا تستطيع لذلك سبيلا بسبب الوضع المادي السيئ.

عدوى الخروج الاضطراري

في الثقافة الشعبية الفلسطينية حكمة تقول “من ترك داره قل مقداره”، يقول المعارض السوري علي العبدالله لـ”العرب” “هذه الحكمة/الدرس حاضرة بقوة في وعي كثيرين في سوريا الآن، هناك معاناة وخوف من البراميل المتفجرة والقصف العشوائي، ومن الاعتقال التعسفي، لا لشيء إلا لأن المواطن من مواليد منطقة خارجة عن سيطرة النظام، فمرور أي شخص من داريا أو دوما أو التل أو المعضمية أو الزبداني أو حماة أو حمص أو الرستن على حاجز للنظام يُعرّضه للمساءلة والإهانة والإذلال، وربما الاعتقال إذا كان من جيل الشباب، لذا كثيرون ممّن أصروا على البقاء في البلد اختاروا اللجوء إلى مدن وبلدات صغيرة وهامشية وليست محط اهتمام النظام وتحت رقابته المشددة، وهذه معاناة قاسية على صعيد ترك حياة في بيئة مألوفة لهم وعجزهم عن توفير مصادر دخل لسد احتياجاتهم المعيشية في ملجئهم في ظل الغلاء الفاحش وانهيار الليرة وممارسات تجار الحروب من أهل النظام وأمراء الحرب”.

منذ انطلقت الثورة في سوريا ربيع 2011 كانت مطالب السوريين اجتماعية سياسية، حيث طالبوا بالحرية والحد من الفساد ووقف تسلّط الأجهزة الأمنية، وقادت الحراك شريحة من خيرة شباب سوريا، بعضهم متسلح بالثقافة وبعضهم ثائر بالفطرة، رفعوا شعارات لا طائفية سلمية تعكس مطالبهم وأحلامهم ومواقفهم، لكن عنف النظام وسلاحه حوّلها لثورة تريد إسقاط النظام جذريا.

استخدمت السلطة السورية أسوأ وأغبى الحلول، فوجّهت السلاح ضد الشعب، واعتقد “جهابذة” الأجهزة الأمنية، ممّن يعشق الأقبية والسراديب ويمتهن التعذيب والقتل، أن التخلص من الصف الأول من الناشطين سيُنهي الانتفاضة، فاعتقلهم وعذبهم وقتلهم أمام أعين الشهود، لكن فرضية تصفية الشبيبة الثائرة لم تنجح، بل زاد عنف النظام من اشتعال الثورة التي أفرزت رعيلاً ثانيا، فانتقل مجرمو السلطة إلى مرحلة أخرى أكثر حقدا تقضي بتدمير المدن الحاضنة للثورة واستخدام كل وسائل القتل.

أصبح الثوار وقادة الحراك السلمي وبعض المعارضين هدفا لأجهزة النظام الأمنية، فكان لا بد من خروجهم بعيدا عن قبضته، وتبعتهم موجات من مئات ألوف اللاجئين ممّن هربوا من الموت والصواريخ والدمار، فامتلأت دول الجوار بمئات الآلاف من السوريين ثم بالملايين.

من حق كل من تعرّض لعنف أو يعيش في منطقة خطرة أن يبحث عن ملجأ آمن، في الداخل أو الخارج، ويمكن احترام خياراته لأن شبح الموت مخيف، لكن في نفس الوقت لا بد من الانتباه إلى أن هناك كثيرين خرجوا لأسباب مختلفة تماما، بعضها اقتصادية بحتة، كالبحث عن فرصة عمل أو دراسة أفضل، وبعضهم خرج كنوع من أنواع التغيير، أو غيرة وعدوى من أصدقاء صاروا بأوروبا، حتى أن بعض من يقيم بدول الخليج بأمان تركها رغبة في الحصول على أي جنسية أوروبية، ولو بعد عقد، لأنها برأيهم أفضل من جنسيتهم السورية.

الكثير من المعارضين والناشطين في الداخل ضاقوا ذرعا بعبارات التخوين التي يطلقها نظرائهم ممّن يقيمون خارج سوريا، ويؤكدون على أن هؤلاء لا يعرفون حجم التضييق والضغوطات الأمنية والتهديدات التي يتعرضون له

خرج من سوريا خلال أربع سنوات قسم كبير من المعارضين، بعضهم بقاؤه يهدده بالفعل، وبعضهم لم يكن على لائحة المطلوبين وكان يعيش في مناطق آمنة، وبخروجه لم يفِد الثورة بشيء، لا انشقاقه الخالي من المعنى، ولا اصطفافاته السياسية التي ساهمت في كارثية وضع المعارضة السياسية السورية، وينتقد السوريون أحيانا أن تكون غالبية قيادات المعارضة السورية الآن هم ممّن كان يعيش في الأصل بالخارج أو خرج دون مضايقات أمنية وبطريقة نظامية.

المُقلق في الأمر، أنه في ظل الوضع المأساوي بالداخل، خرجت أصوات كثيرة تُخوّن من بقي أو من يصر على عدم المغادرة، أصوات تتهمهم بالقرب من النظام وأحياناً بالتماهي معه، رغم أن شريحة كبيرة من المعارضين، من غير المزيّفين الموجودين بالفعل، مازالوا بالداخل يُعطون من في الخارج جرعاً من التفاؤل ودروساً في الثبات.

ظلم ذوي القربى

بقي في سوريا معارضون وناشطون كثر، عملوا بكل الوسائل لدعم الثورة والحفاظ على ما تبقى من ألقها، قدّموا مساعدات إنسانية وطبية وإغاثية، ونظّموا الدفاع المدني، وأعادوا تأسيس مرتكزات لعمل ثوري يدوم، واستمروا في الكتابة بوسائل الإعلام كمعارضين لا يرقى الشك لهم، ونظّموا برامج توعية لمن بقي، واستصرخوا ضمائر العرب والمجتمع الدولي لتقديم مساعدات، وكشفوا كثيرا من جرائم النظام التي كان يمكن أن لا يسمع بها أحد، ولم يقبلوا بأن يشتريهم النظام بأي ثمن، وهم كثر يصعب حصرهم.

ضاق الكثير من المعارضين والناشطين في الداخل ذرعا بعبارات التخوين التي يطلقها نظرائهم ممّن يقيمون خارج سوريا، ويؤكدون على أن هؤلاء لا يعرفون حجم التضييق والضغوطات الأمنية والتهديدات التي يتعرضون لها، ولا يعرفون كيف يعيش السوري في بلده المحتل، ويرفضون البطولات الكلامية لمعارضي وناشطي الخارج، وهم مستعدون لدفع ثمن بقائهم في سوريا.

يقول المعارض والسجين السياسي السابق العبدالله “لقد أكدت صور اللاجئين في مخيمات اللجوء بالدول المجاورة خلال السنوات الماضية، بداية، وصور الهجرة وغرق المئات، تاليا، صحة موقفهم وقوّت إرادتهم وعزيمتهم على التمسك بقرارهم والبقاء في البلد، وقد آلمهم كثيرا هجرة وجوه المعارضة وكادرها الرئيس، وأبدوا أسفهم وتذمرهم من هجرة هؤلاء، وزاد في ألمهم وامتعاضهم تقديم أعداد من هؤلاء طلبات لجوء سياسي وحصولهم على جنسيات أجنبية، وهم كانوا، قبلاً، قد صدّعوا رؤوسهم بالدعوة إلى التغيير ومواجهة الاستبداد، وقد عبّر كثيرون عن إحباطهم ويأسهم من تحقيق بعض أهداف الثورة في ظل هكذا مناضلين ومثقفين، وهذا دفع بعضهم إلى الهجرة بعيداً عن حالة عدم استقرار ودمار سيطول، ناهيك عن الاستفزاز الذي يولده ظهور هؤلاء (الثوار) في فنادق الخمسة نجوم يلتفون حول موائد عامرة والجوع ينهش بطون السوريين”.

كثيرون ممّن هم في سوريا أرادوا البقاء ليُعلموا الآخرين كيف يكونوا أحرارا، ويصرّون على أن الصمود في الداخل أهم من التنظير ورسم الخطط في الخارج، وأنهم في كل شبر من سوريا يتطلعون ليوم الخلاص من النظام وإفرازاته من منظمات إرهابية، ويرددون ما قاله يوما توفيق زياد “هنا على صدوركم باقون كالجدار، نجوع نعرى نتحدى، ننشد الأشعار ونصنع الأطفال، جيلا ثائرا وراء جيل، إنا هنا باقون، نحرس ظل التين والزيتون، ونزرع الأفكار كالخمير في العجين، برودة الجليد في أعصابنا، وفي قلوبنا جهنّم حمراء”.

8