المواطن العربي الرقمي يتأخر عن الزمن الاعلامي الجديد

الاثنين 2014/01/27
العرب يصنفون في خانة الدول الأكثر تخلفاً في الاستفادة من التكنولوجيا

أبو ظبي - لأول مرة تستخدم المؤسسات العالمية المهتمة بالبحوث والتقارير والإحصاء مفهوم (المواطن الرقمي)، للتعبير عن حجم السكان الرقميين في العالم.

ويعرّف النموذج المواطنين الرقميين بوصفهم مجموعة من الشباب الموصولين بالشبكات، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، ولديهم خبرة في مجال النفاذ الإلكتروني مدتها خمس سنوات أو أكثر. حيث يشكل المواطنون الرقميون أكثر من 5 في المئة بقليل من عدد سكان العالم، أي 30 في المئة من عدد السكان الشباب، ووفقا لتقرير الاتحاد الدولي للاتصالات فقد بلغ عدد المواطنين الرقميين في عام 2012 حوالي 363 مليون مواطن رقمي من أصل سكان العالم البالغ عددهم حوالي 7 مليارات نسمة، أي 5.2 في المئة. وهذا يعني أن 30 في المئة من شباب العالم كانوا ناشطين في مجال النفاذ الإلكتروني لمدة خمس سنوات على الأقل. وعلى الصعيد العالمي، يشكل المواطنون الرقميون الأقلية من شباب اليوم.

ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى الاستخدام الضئيل نسبياً للإنترنت في الكثير من البلدان النامية التي لديها أعداد كبيرة من الشباب، إضافة إلى أن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات هي ظاهرة حديثة إلى حد ما.

والطريقة الأخرى للنظر إلى المواطنين الرقميين تتمثل في تحليل طريقة انتشارهم كنسبة مئوية من إجمالي السكان الشباب في البلاد.

فالغالبية العظمى من الشباب ( 70 في المئة) في العالم ككل، ليسوا بمواطنين رقميين. وبما أن نسبة السكان الشباب، الذين يعتبرون مواطنين رقميين، غير متجانسة، بل تتراوح بين نسبة مرتفعة قدرها 99.6 في المئة في جمهورية كوريا ونسبة منخفضة تبلغ 0.6 في المئة في تيمور ليستي.

كما يجسد عدد المواطنين الرقميين في بلد ما مستوى تنميها الاقتصادية. ويعتبر حوالي 4.2 في المئة من السكان المقيمين في البلدان النامية مواطنين رقميين، بينما يمثل المواطنون الرقميون في البلدان المتقدمة 10 في المئة من السكان وتتفاوت النسب المقدرة من مجموع السكان التي تمثل المواطنين الرقميين في ما بين البلدان، من نسبة متدنية تصل إلى 0.1 في المئة في تيمور ليستي إلى نسبة مرتفعة قدرها 14 في المئة في أيسلندا. والبلدان في المستوى المتوسط هما بيلاروس وسوريا، بنسبتين من المواطنين الرقميين قدرهما 5،5 و5.4 في المئة، على التوالي. أما الصين، وهي البلد الذي يضم أكبر مجموعة من المواطنين الرقميين، فهي قريبة جداً من المستوى المتوسط، ويمثل المواطنون الرقميون فيها نسبة 5.6 في المئة من السكان.

وتُظهر النتائج أن البلدان التي لديها أعلى نسب من المواطنين الرقميين تتسم بارتفاع الدخل أو أنها بلدان الدخل المتوسط الأعلى، وتشمل بلداناً ذات مستويات عالية جداً لانتشار الإنترنت الكلي، والبلدان التي تتصدر مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبلدان التي لديها حصة أكبر نسبياً من السكان الشباب.

ويبدو أن البلدان المكتظة بالسكان التي لديها مستويات متوسطة أو مرتفعة نسبياً للانتشار الكلي للإنترنت تضم أعداداً مرتفعة من المواطنين الرقميين، وبلدان الدخل المرتفع (التي تُظهر في العادة مستويات كلية عالية لاستخدام الإنترنت)، يُصنف قسم كبير نسبياً من سكانها بأنهم مواطنون رقميون. فأيسلندا ونيوزيلندا وجمهورية كوريا والولايات المتحدة، على سبيل المثال، هي بلدان تتسم بمستويات مرتفعة نسبياً لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتضم أيضاً نسبة مئوية عالية من المواطنين الرقميين. وتتفاوت نسبة المواطنين الرقميين وفق كل منطقة من نسبة عالية قدرها 10 في المئة في الأميركتين إلى نسبة منخفضة تبلغ 1.9 في المئة في أفريقيا. ولدى منطقة أفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ مستويات متدنية نسبياً من نصيب الفرد من المواطنين الرقميين، مقارنة بأوروبا على سبيل المثال.

تتفاوت نسبة المواطنين الرقميين، من نسبة عالية قدرها 10 في المئة في الأميركتين إلى نسبة منخفضة تبلغ 1.9 في المئة في أفريقيا

ويبدو من هذه الأرقام أن (العربي الرقمي) مازال في آخر القائمة في الإحصاءات العالمية، ومازالت المجتمعات العربية تصنّف في خانة الدول الأكثر تخلّفاً في مجال الاستفادة من التكنولوجيا، وتوطينها، والإبداع فيها. فقد دخلت جميع الدول العربية القرن الحادي والعشرين بأنماط مختلفة من الإنتاج وعلاقات الإنتاج يمكن أن تصنف، في غالبيتها الساحقة، ضمن أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية والتي تضم خليطاً من بقايا الأنظمة القبلية، والعشائرية، والعائلية والطائفية وتشدد على الاقتصاد الريعي، والربح السريع، والاعتماد شبه التام على الموارد الطبيعية خاصة النفط الخام.

ويكفي القول إن الأرقام الواردة في تقارير التنمية العربية للأعوام الماضية لا تشرّف جميع الأنظمة العربية لأنها تظهر تخلف العرب في جميع المجالات، مع تراجع مريع في حجم الإنتاج والتنمية على مختلف الأصعدة. وهي تظهر اتساع الفجوة بشكل هائل بين ما كان عليه العرب منذ ثلاثين سنة وما أصبحوا عليه اليوم، وذلك قياسا بدول أخرى كانت أكثر تخلّفاً من العرب في السابق فباتت اليوم أكثر تطوراً منهم، وبنسب مضاعفة.

أما النسب المتواضعة جدا التي يشغلها العرب في مجال التنمية البشرية فتضعهم في ذيل القائمة مقارنة بغالبية دول العالم. كذلك الحال بالنسبة إلى توظيف العرب في مجال البحث العلمي الذي لم يصل إلى نسبة 1 بالمئة من الدخل القومي، والتي تذهب في غالبيتها إلى العمل الإداري وليس لتمويل الأبحاث العلمية الجادة. لذا لابد من الاعتراف بأن الفجوة المعرفية في مجال التكنولوجيا المتطورة، خاصة الرقمية منها، تزداد اتساعا بين المنطقة العربية وباقي الدول المتطورة لأن الدول العربية تأتي أيضا في ذيل القائمة العالمية في مجال عدد مواقع ومقاهي الإنترنت، وفي عدد مستخدمي الشبكات والأجهزة الرقمية، وفي عدد المواقع العربية التي تنتج معلومات صالحة للتعميم على شبكات الإنترنت العالمية لتصبح مصادر موثوقا بها لنشر المعلومات. أما نسبة العرب من مستخدمي الإنترنت فهي 0.5 بالمئة من مستخدميها على المستوى الكوني، علماً أن العرب يمثلون أكثر من 5 بالمئة من سكان العالم. إن الوطن العربي لم يتمكن من اللحاق بركب الثورة الصناعية في الوقت الذي تتيح فيه له التكنولوجيا الرقمية في العصر الحالي فرصة لتعويض ما فاته باللحاق بركب التطور عبر تفعيل وسائل التقنية، ولابد من تحقيق متطلبات هذا التحول، وهي متطلبات بسيطة يمكن تلخيصها في إرادة سياسية واضحة وأطر تنظيمية وتشريعية متطورة والعمل على تأهيل الكادر البشري.

ومع ذلك نقول إن القضية ليست قضية تقنية فقط، أو امتلاك أجهزة حواسيب بنسب مرتفعة قياساً بعدد السكان، أو حتى استخدام هذه الحواسيب على نطاق واسع. وإنما هي القدرة على إنتاج المعلومات وعلى تخزينها في مراكز معلومات وأبحاث، وإدارتها. وكلها من مظاهر صورة “الفجوة الرقمية” في العالم العربى الآن.

باختصار شديد لا يمكن الحديث عن ولادة المواطن العربي الرقمي إلا بعد أن تصبح أوطاننا مجتمعات مدنية في ظل قوانين تسمح بحرية الاتصال والتواصل، والحصول على المعلومات وتداولها، ومحو الأمية المعلوماتية، وإيجاد الظروف السياسية والاقتصادية المواتية. والأهم إشاعة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، وتهديم الأنظمة القبلية، والعشائرية، والطائفية!

18