المواطن تائه بين الفتاوى وتغريدات الساسة

ساسة أصبحوا مشايخ ودراويش ومشايخ أصبحوا نجوما في عالم السياسة، وكلاهما يغرد وكل على طريقته.
الثلاثاء 2018/05/15
حروب تويترية

يبدو أن التكنولوجيا ومستحدثاتها جعلت اثنين قد نتصور أنهما لن يلتقيا وإذا بهما على صعيد واحد وهو التغريد.

الاثنان هما السياسي والديني، كلاهما جمعهما الترند بعدما فرقتهما الفتاوى وتقلبات السياسة.

كلاهما صارا يشغلان الرأي العام وهما يتجاوران، السياسي غادر شكل الخطاب الحماسي الذي ينتظره الرأي العام وغادر المقالات المطولة ولجأ إلى لغة التغريد الدالة الموجزة.

عند التغريد لا يحق له الثرثرة وعنده عشرون أو ثلاثون كلمة ينهي بها قصته كلها، كأن يقول أعلن الانسحاب من اتفاقية البرنامج النووي الإيراني، ويضع أيقونة (الشبّاك) في آخر التغريدة وينصرف إلى بيته. هكذا ببساطة اختصرت التكنولوجيا المهمة الشاقة التي على عاتق السياسي، بأن يجلس مع مستشاريه ويجري تدبيج الخطاب المتقن إلى الأمة.

لم يكن هنالك تويتر على أي حال يوم أعلن بوش الابن الحرب على العراق وانطلاق القصف الجوي والبري والبحري، كان يجلس في قصره ومن خلفه صور بناته وزوجته ويعلنها حربا لم تنطفئ نارها وشواظها وتوابعها حتى الساعة.

لو كان في ذلك الوقت تغريد لغرّد بوش الابن وكذلك لفعل بوش الأب، لكن زمن التغريد وجد ضالته في عهد آخر رؤساء الولايات المتحدة، الرئيس دونالد ترامب المولع بالتغريدات.

خصومه السياسيون مثلا يتندرون على تغريداته، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مثلا يعلق على ذلك قائلا إنه يشنّ حروبه التويترية. وفي المقابل، هنالك الديني الذي وجدها فرصة لنشر فتاوى في نفس تلك المساحة الكلامية من التغريد.

إلى أمد قريب كان تويتر يعج بتلك الفتاوى قبل عمليات التقليم وغلق الصفحات التي شنتها إدارته، كانت ساحة تويتر ملأى بالصراخ والفحيح وليس التغريد وعلى صعيد واحد إبان بدايات اشتعال الأزمة السورية كان هنالك ساسة وإعلاميون يستعيرون لغة رجال دين متشددين والعكس صحيح.

لم تعد تتبين من فرط تلك الانتهازية الطاغية أيهما الإعلامي وأيهما الديني فموجة ما عرف بالإسلام السياسي لم تترك بقعة ولا مناسبة إلا وطأتها.

وبسبب تلك الموجة لم يعد ممكنا الفرز بين الفتوى وحديث السياسة فهما متجاوران وحتى ملتصقان.

ساسة أصبحوا مشايخ ودراويش ومشايخ أصبحوا نجوما في عالم السياسة، وكلاهما يغرد وكل على طريقته.

حتى الساعة لا تزال هذه الإشكالية قائمة في العالم العربي، رجل الدين ترك صومعته واختلط بعالم السياسة القائم بشكل مطلق على البراغماتية وبهذا صار حتى التغريد ذا لغة براغماتية فيما تغاضى الديني عن تلك الصفة وتسامح معها من أجل سواد عيون السياسة والمنصب والمكاسب.

هو مشهد أقرب إلى السريالية أن نشهد ذلك الخليط الفريد بين هذين العالمين والسهولة أو قل الاستسهال في استخدام منصات التواصل الاجتماعي من أجل أن يبرز كل طرف ما عنده.

في المقابل نجد أن جمهورا منقسما على نفسه على صعيد العالم العربي، قد يئس من الساسة ومن طبقة الإسلام السياسي في آن معا ولم يعد يثق في تلك الخلطة العجيبة في مباركة مسيرة حكومة فاسدة وسياسيين فاسدين لمجرد أنهم قد خرجوا من عباءة الإسلام السياسي.

تلك التغريدات الشاحبة تخاطب مواطنا تائها في هذه الدوامة أو شبه تائه يبحث في تلك التغريدات السياسية أو التغريدات الأقرب للفتوى عن نفسه ومستقبله ومستقبل بلده فلا يجد منها شيئا.

التكنولوجيا الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي وإن كانت سهلت المهمة للسياسي وغير السياسي للتواصل السريع والآني مع جمهوره، إلا أنها ليست بديلا عن الحقيقة القائمة وما هو ملموس على أرض الواقع في ما يتعلق بتلك البراغماتية السياسية والتي من سخرية القدر أن يلتقي فيها السياسي بالديني ضمن موجة ما عرف بالإسلام السياسي.

18