المواقع الاجتماعية مصادر للخبر.. حدود القول

الثلاثاء 2017/02/28
مواقع التواصل الإجتماعي تتفوق على المصادر التقليدية للأخبار

تطور وشيوع استعمال الإنترنت، منذ بداية القرن الحالي، لم تقتصر نتائجهما على ما توفر للإنسانية من فوائد جمة، تقنية واقتصادية وتعليمية واجتماعية، بل إنهما أعادا تشييد مفاهيم جديدة في الإعلام. وشيوع الإنترنت أفرز من جملة استتباعاته، بروز ضروب جديدة من وسائل الإعلام والوسائط، هي المواقع الاجتماعية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وهي كثيرة ومتنوعة ومختلفة وذات توجهات ووسائل مختلفة.

المهم في ما نحن بصدده هو التساؤل عن آليات التواصل والتنافر بين وسائل الإعلام الجديدة (إن جاز لنا التعبير) وبين وسائل الإعلام التقليدية. التساؤل السابق يمكن ترجمته وتبسيطه بالبحث في مدى إمكانية اعتماد وسائل التواصل الاجتماعي كمصادر حقيقية وذات مصداقية للخبر؟ السؤال المركزي، منطلق بحثنا، يمكن تفريخه إلى العشرات من الأسئلة الفرعية المتصلة والمرتبطة بالسؤال المثير للجدل والسجال المثار أعلاه.

"الثورة"التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي في مجال الإعلام، لم تحجب وجود انتقادات عميقة وكثيرة لمصداقية هذه الوسائل. جدير بالتذكير أن الثورات العربية، شهدت دعما كبيرا من وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) والتي كانت ناقلا حيا ومباشرا لنبض الميادين والساحات. كانت الصور ومقاطع الفيديو تلهم الناس، وتسعف المحطات التلفزيونية في آن.

الصور التي كانت ترد من مواقع فيسبوك، مثلا، ورغم افتقادها في غالب الأحيان للجودة والحرفية، كانت شواهد على الحراك الشعبي، وكانت تلتقط من هواة تصادف وجودهم مع اندلاع الأحداث، أو كانوا فاعلين فيها، ولم تر العديد من المحطات التلفزيونية الكبيرة ذائعة الصيت، ضيرا في نشر واعتماد "الوثائق"الحصرية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، مع إشارة مرافقة دائمة "صور بالهاتف" للاعتذار الضمني المبطن عن رداءة النوعية. المهم هنا أن المواقع الاجتماعية عوضت غياب المحطات التلفزيونية المحترفة، عن موقع الحدث، وهو غياب قد يكون ناتجا عن فجائية الحدث، أو عن رفض السلطة السماح للطواقم الإعلامية بالحلول في الموقع.

من هنا كانت "صحافة القرب"، ولكن هل أن "حصرية" المواد التي تذيعها المواقع الاجتماعية، من صور ومقاطع فيديو وتصريحات أو تسريبات أو غيرها، كافية لاعتبارها مصادر ذات مصداقية أو يمكن الاعتداد بها أو الركون المطمئن إلى صحتها؟

جدير بالإشارة إلى أن مصادر الخبر المعتادة والتي يمكن الوثوق بها هي أساسا، برقيا وكالات الأنباء، والصحف المعروفة، ووسائل الإعلام الأخرى من قبيل التلفزيونات والإذاعات، فضلا عن البيانات الرسمية التي تصدرها الحكومات أو الأحزاب أو المنظمات. جدير بالتذكير أيضا إلى أن القاعدة الأساسية في إذاعة بي بي سي، مثلا، تقوم على التحقق من الخبر مرتين للتيقن من صحته ومصداقيته، تفاديا للتلاعب أو التسويق الإعلامي. فهل تتوفر هذه المعايير في المواقع الاجتماعية؟

تبدو القضية في حقيقتها، بمثابة وقوع منتج الخبر أو مستهلكه، بين خيارين أحلاهما مر: إما المسارعة على اعتماد الحصرية والسرعة وهي أبعاد توفرها المواقع الاجتماعية، وهو خيار له مآلات خطيرة أيضا، حيث قد يؤدي إلى نشر أخبار زائفة وكاذبة ومتسرعة، وإما خيار ثان يقوم على وجوب التثبت من صحة الخبر، بمقارنته ومقارعته بأخبار أخرى أو وسائل أخرى، وهو كذلك خيار له استتباعاته إذ يعني تأخر نشر الخبر وتبديد حصريته وأهميته، ومن ثم إصابته بالتقادم.

لكن التقدم الكبير الذي تحققه المواقع الاجتماعية يوميا، والذي تثبته الأرقام والاستطلاعات، يشي بأنه ثمة ضرب من التغاضي عن المعايير المهنية المحترفة للإعلام والخبر، وتسابق من أجل “استهلاك” مواد توفرها المواقع الاجتماعية، بغثها وسمينها. استطلاع للرأي أجراه معهد رويترز لدراسة الصحافة في بريطانيا، في شهر يونيو من العام 2016، توصل إلى أن أكثر من نصف مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يعتمدونها كمصادر للخبر بل يرفضون دفع الأموال للمصادر التقليدية لقاء ذلك. الاستطلاع أكد أن فيسبوك هو الشبكة الأكثر أهمية وشيوعا بين المستخدمين، بنسبة 44 بالمئة.

المثير في القضية أن وسائل إعلام محترمة، من ناحية مصداقيتها وخبرتها وحجم طاقمها وانتشارها، أصبحت تعتمد في أخبارها على وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح من المألوف أن نقرأ، جملا من قبيل “تداولت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم خبر…”، ألا يعني ذلك أننا إزاء تحول كبير يحدث في ميدان الإعلام؟

اقرأ أيضا:

المزيد من المواطنة ومنصة للتعبير عن المظلومين

ماكينة لصنع الشائعات.. ومفرخة للتطرف والإرهاب

12