المواقف التركية من الإخوان تكشف الترنح بين العلماني والديني

الأربعاء 2013/09/04
الأتراك يرفعون شعار "رابعة" مساندة للإخوان

لطالما أشارت الكتب التاريخية إلى تركيا أو بالأحرى الدولة العثمانية مترامية الأطراف بالرجل المريض، وطفقت إلى رصد النوبات المرضية المتلاحقة التي جعلت من هذه الإمبراطورية مريضة سياسياً ومصابة بالشيخوخة لذلك لم تستطع أن تبقى بعد الإصابة والمرض.

وربما الظهور الاستثنائي للأتراك في حياة المصريين منذ سنين لا يدعو البعض إلى الدهشة، لاسيما أولئك الذين يجيدون قراءة التاريخ بعمق وقادرون على استشراف أحداث المشهد العالمي السياسي، فمنذ إعلان أتاتورك إلغاء الخلافة وإعلان علمانية الدولة وهي تمارس أدواراً فاشلة متجددة، لم تستطع أن تجد قاعدة مشتركة للتعامل مع الفكر الغربي الأوروبي، ثم فشلت مجدداً حينما حاولت تقنين الفقه، وهو مشروع استهدف تقديم الفقه ومبادئ الشريعة الإسلامية للغرب الأوروبي بصورة عصرية أوروبية.

وتركيا التي تدافع اليوم عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبالأحرى تيارات وفصائل الإسلام السياسي هي نفسها التي وجدت في الإسلام قوة رجعية عميقة ودولة خفية تعيق نهضتها واللحاق بالركب النهضوي الأوروبي فقررت سريعا الإجهاز الكامل عليه والتخلص منه رغبة في الانضمام لسفينة الأوروبيين، وهي ذاتها التي وجدت نفسها تائهة وحائرة بين تعاليم الإسلام ومبادئ الديموقراطية الليبرالية.

وظلت الدولة التركية التي كانت معروفة بالدولة العلية متأرجحة بين الصدام تارة والدعوة إلى التعايش والتوافق مع دول الجوار الأوروبي تارة أخرى بسبب تعدد الفصائل الدينية والسياسية بداخلها، والمستقرئ لتاريخها المعاصر يقرأ تيارات كثيرة مثل الطرق الصوفية التي لاتزال تقاوم العلمانية التركية التي ابتدعها كمال أتاتورك وفرضها بالقوة رغبة في تحديث تركيا وهذه الطرق الصوفية شكلت صداعاً كبيراً لأتاتورك وفيهم قال في خطبته بمدينة قسطموني التي تنتشر فيها الطرق الصوفية:"إن طلب العون والمساعدة من قبور الأموات صفعة على جبين المجتمع الإنساني المتحضر"، وبناء على خطبته تلك قرر إلغاء كل أنواع الطرق الصوفية المنتشرة آنذاك وتحويل جميع ممتلكات الزوايا إلى متاحف. ليس هذا فحسب بل تركيا التي تنادي بالديموقراطية تلجأ إلى حظر الملابس والأزياء التي تدل على الطرق الصوفية وصفاتها وتنويعاتها.

وكم عجيب أمر الحكومة التركية الغاضبة بشأن ما يحدث لقيادات اليمين المتطرف في مصر وما جرى بشأن تنظيماتهم المتهمة حالياً بممارسة العنف والإرهاب وهي نفسها ضمنت في قانون عقوباتها ما يفيد تجريم تأسيس أو تشكيل أو تنظيم أو إدارة أية جمعية على أساس ديني أو عقائدي يخالف العلمانية أو يخل بنظامها الاجتماعي والاقتصادي أو السياسي، كما يعاقب كل من ينتمي إلى هذه الجمعيات أو يدعو إلى الانضمام إليها أو يستغل الدين كأداة سياسية.

وتحفظ السجلات التاريخية التركية عدداً من حوادث الإعدام بشأن قيادي بعض الطرق الصوفية مثل تنفيذ حكم الإعدام على الشيخ سعيد شيخ الطريقة النقشبندية.

وثمة علامات يمكن رصدها في المشهد الداخلي التركي أبرزها فكرة إبعاد الجيش عن السياسة الأمر الذي كان يقلق أتاتورك منذ توليه سدة الحكم، فقرر إبعـــاد الضبــاط الذين انتخبوا للبرلمــــان بالاستقـــالة من الجيش.

وها هي تركيا التي ترفض التدخل العسكري في مصر أثناء فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية ومارست كل صنوف الخطاب السياسي التنديدي وعبرت عن امتقاعها الشديد لعزل محمد مرسي وتسمية ما حدث عقب ثورة يونيو 2013 بالانقلاب العسكري، هي نفسها صاحبة المفهوم حيث إن تردي أوضاع ضباط الجيش الاقتصادية مع مجئ الديموقراطيين إلى السلطة هو الذي دفعهم للقيام بانقلاب عسكري ثلاث مرات متتالية أعوام 1957 و1961 و1963.

مثلت تركيا منذ سطوتها التاريخية مناخاً خصباً لجميع الأفكار والتيارات الفلسفية والدينية والسياسية ورغم سنوات القمع والعزلة السياسية والشيخوخة التي أصابتها في مطلع القرن العشرين إلا أن حركة الثقافة والفكر لم تتوقف، ولكن الثقافة في تركيا يمكن توصيفها برحلة البحث عن الهويات المفقودة لاسيما منذ إعلان علمانية الدولة، والمثقفون الإسلاميون يمثلون العقبة الكبرى في تحقيق علمانية تركيا، وهي تدعو إلى العلمانية رغبة في نيل الرضا الأوروبي، وتدافع عن تيارات الإسلام السياسي خارج حدودها في الوقت الذي تقمع فيه كل حركات المد السياسي الإسلامي، ومن أبرز المفكرين الذين أخذوا على عاتقهم عبء الدفاع عن الإسلام علي بولاج، وأمينة شانيلك، وأحمد داوود أوغلو الذي يعد رائد المؤسسية في أوساط المثقفين الإسلاميين الأتراك، وكرباش أوغلو.

والمأساة الثقافية التي تشهدها تركيا هي صراع بين العلمانية والإسلام وبالأحرى دفاع المثقفين الإسلاميين عن الدين الإسلامي وهجوم المفكرين الأتراك المحسوبين على الأجندات الأوروبية التي ترى المسألة صراع حضارات وحروباً حضارية.

في ظل اللغط السياسي والفكري والديني في تركيا وتداعي الصراعات المذهبية والأيديولوجية ووجود صراع مستدام بين حزب العدالة والتنمية والأحزاب والحركات العلمانية من جهة، وبينه وبين الجيش والبيروقراطية من جهة ثانية وبينه وبين الفرق والمذاهب والمؤسسات الوقفية والقانونية من جهة ثالثة فإن المستقبل التركي يظل غامضاًً، ويدفع المؤسسة الرسمية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات والممارسات القمعية بمساعدة الشرطة لرأب الصدع السياسي.

12