الموالد القبطية.. لا أحد يسأل الآخر عن ديانته

الخميس 2017/09/07
مزارات لا تميز بين قبطي ومسلم

القاهرة - الموالد القبطية بمصر شبيهة إلى حد كبير بالموالد الصوفية للمسلمين، ويتبادل فيها المسلمون والمسيحيون معًا الإنشاد، حيث تجذب الآذان تسبيحات تمجد التعايش بين الديانتين، ولا تقتصر فقط على احتفالات العذراء مريم بل فحسب وكذلك في مولد السيدتين زينب وعائشة على حد سواء.

وسط الزحام الشديد في الليالي الختامية للموالد بمصر تبدو الطقوس واحدة، بشر من جميع أنحاء مصر تظهر أصولهم ولهجاتهم المختلفة جلية، وهناك امتزاج بين جميع الطبقات ولا أحد يسأل الآخر: هل أنت مسلم أم مسيحي؟

في أغسطس من كل عام يحتفل المصريون بمولد السيدة العذراء لمدة أسبوعين، وفيه يقصد المسلمون والمسيحيون على حد سواء مزارات العائلة المقدسة بمصر التي تذكّر برحلة هروبها من هيرودس ملك اليهود.

ومثلما يقصد المسلمون بمصر مساجد الأقطاب الصوفية الأربعة طلبًا للتبرك، فإن بعضهم يقصدون أيضًا كنائس السيدة العذراء لذات الغاية، متجاهلين تحريم تيارات دينية لتلك العادة.

ويؤكد باحثون أن الاحتفالات بموالد الأولياء والقديسين امتداد تاريخي لما كان يفعله قدامى المصريين في احتفالاتهم بموالد الفراعنة، والتي كان من أهم ملامحها تقديس صاحب المولد المحتفل به، ويقولون إن الكرامات المنسوبة للأولياء والقديسين تتشابه كثيراً مع ما يحكى عن معجزات تنسب للآلهة المصرية القديمة.

في مصر نحو 2850 مولدًا قبطيًا للقديسين معظمهم غير معروفين، لكن أشهرها مولد القديسة دميانة بمنطقة بلقاس بالدقهلية بدلتا مصر، والأنبا شنودة في الدير الأبيض في أخميم بسوهاج بالصعيد.

أهم سمات الشخصية المصرية التدين والتسامح والارتباط بالأرض والأسرة والسخرية التي تجنح للحزن، وكثيرا ما تلجأ هذه الشخصية إلى الصبر والزهد

لكل مولد قبطي بمصر قصة ترتبط في المقام الأول بالاستبداد، فالقديس مار جرجس تزعّم حركة الثورة على منشور الاضطهاد ضد المسيحيين في عصر دقلديانوس، واسُتشهد بعد تلقيه كل صنوف العذاب، وتحمل 372 كنيسة بمصر اسمه، ويُحتفل بمولده في أول مايو، والقديسة دميانة التي تعرضت للتعذيب مع أربعين من العذارى لرفضهن ترك المسيحية واعتناق الوثنية، بينما ترتبط سيرة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بلعب دور وطني في مقاومة الاحتلال البيزنطي لمصر ورفضه تغيير المذهب الأرثوذكسي.

في تلك الموالد ينتشر دق الصلبان من خلال حقن الجلد بإبرة صغيرة ممتلئة بسائل ملون ومتصلة بآلة الوشم الحديدية لتدق على اليد رسم صليب للأطفال، وأيضًا رسم صور القديس مار جرجس أثناء قتله للتنين، والطريف أن مهنة الوشم هذه يمتهنها البعض من المسلمين بدافع مزدوج؛ جلب الرزق وإظهار الوحدة بين المسلمين والمسيحيين بالوطن.

وتقدر مصادر كنسية متوسط عدد من يأتون لزيارة الكنائس خلال شهر أغسطس كل عام بقرابة 4000 شخص من المسلمين والمسيحيين، خاصة كنيسة “مسطرد”، بنية التبرك بالبئر التي شهدت أول استحمام للمسيح فيه، ومنهم عدد كبير من النساء المسلمات (يتم تمييزهن من ارتدائهن الحجاب).

بعد حادثتي تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية مطلع العام الحالي فقد مولد العذراء كثيرًا من زواره بسبب القيود الأمنية.

يقول نبيل لوقا بباوي، المفكر القبطي، إن بعض الموالد المسيحية كالسيدة العذراء تمثل مسألة توافقية بين المسلمين والمسيحيين تتجلى فيها عناصر المواطنة والمحبة بين المسلمين والمسيحيين إلى درجة أن بعض المسلمين يصومون 14 يومًا كصوم السيدة مريم، متجاهلين دعاوى التيارات الدينية للبعض من علماء الأزهر.

يذكر أن بباوي، مسيحي حصل على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية كما حصل على الدكتوراه في الشريعة المسيحية أيضًا.

تتميز مصر بتزاوج الثقافتين المسيحية والإسلامية، فالمصريون يستخدمون اسم عبدالشهيد الذي هو في الأساس قبطي، كما يحتفل بعض الأقباط بعيدي الفطر والأضحى بنفس طريقة المسلمين بشراء الكعك واللحوم.

في مصر نحو 2850 مولدًا قبطيًا للقديسين معظمهم غير معروفين، لكن أشهرها مولد القديسة دميانة بمنطقة بلقاس بالدقهلية بدلتا مصر، والأنبا شنودة في الدير الأبيض في أخميم بسوهاج بالصعيد

بباوي قال لـ”العرب”، إن هناك شبه اتفاق بين الدينين الإسلامي والمسيحي على مكانة السيدة مريم والاحتفال بها، فالقرآن خصص لها سورة كاملة، وليس هناك تكريم لها أفضل من اعتبار الإسلام أنها “أفضل نساء العالمين”.

أوضح قدري حفني، أستاذ علم النفس السياسي، أن جوهر الشخصية المصرية الحقيقية بعيدة عن التعصب الطائفي، وأن مشاهد الثورة المصرية في يناير 2011 كانت خير دليل على ذلك إذ امتزج المسلمون بالمسيحيين في الميادين وحمى بعضهم البعض أثناء ممارسة العبادات.

ويرى خبراء علم السياسة والاجتماع أن الوحدة الوطنية بمصر راسخة منذ القدم ولا تنحصر فقط في مشاهد ثورة 25 يناير، أو مشاهد ثورة 1919 التي رفعت شعار “الهلال مع الصليب” وخطب فيها القساوسة على منابر المساجد والشيوخ في الكنائس، ولم تتعرض تلك الوحدة للانتكاس إلا في فترة السبعينات مع ظهور التيار الديني المتشدد.

ولفت حفني لـ”العرب”، إلى أنه طوال ثورة يناير لم تتعرض الكنائس المصرية لأي هجمات، حتى أن المعبد اليهودي الذي كان قريبًا من مسار المظاهرات بمنطقة وسط القاهرة ويحمل “نجمة داوود” كشعار له لم يتعرض لأي أذى رغم الانفلات الأمني.

ووفقا لكتاب “تشريح الشخصية المصرية” لخبير علم النفس أحمد عكاشة، فإن أهم سمات الشخصية المصرية التدين والتسامح والارتباط بالأرض والأسرة والسخرية التي تجنح للحزن، وكثيرا ما تلجأ هذه الشخصية إلى الصبر والزهد.

وقالت إكرام لبيب، باحثة قبطية، إن أكثر الموالد المسيحية جذبًا للمسلمين هي موالد السيدة العذراء، والتي يتم الاحتفال بها في أوقات مختلفة من الشهر ذاته وترتبط في المقام الأول بالمحطات التي توقفت فيها السيدة مريم والمسيح أثناء هروبهما إلى مصر.

رحلة العذراء بمصر مرت بنحو 25 محطة، بدءًا من منطقة الفرما في سيناء وحتى دير المحروق بأسيوط الذي أقامت به العائلة المقدسة 6 أشهر و10 أيام وشيدت به أول كنيسة مصرية، ثم اتجهت بعد ذلك إلى دير جبل درنكة، حيث أقامت هناك إلى أن تلقت رسالة بوفاة الملك هيرودس فبدأت بالعودة إلى فلسطين.

الكثير من الباحثين من المسلمين والمسيحيين يبرزون أن ثمة تشابهًا بين السيدة العذراء والمعبودة المصرية القديمة إيزيس، فالأخيرة أنجبتْ ابنها حورس بعدما جمعت أشلاء زوجها أوزير إثر وفاته وحملتْ منه بقوة السحر، ومريم حملت ببشارة الملاك جبريل.

13