الموالون بين الثورة والنظام في سوريا

الأربعاء 2014/09/03

ليس الموقف من داعش، سواء من جهة المعارضة أو النظام، هو الجديد. فهذا فيه رأيان، الأول يؤكد أن باراك أوباما لن يشرك النظام السوري في الحرب، بل سيشرك المعارضة فقط. وهناك رأي آخر يقول إن أوباما سيشرك النظام، فهو يعي الدور الروسي والإيراني في بقاء هذا النظام، وفي أي حرب على سوريا. أميل للموقف الثاني في التحليل، رغم وجود مؤشرات على احتمال اعتماد الموقف الأول كذلك. هذا الجديد، في حال حصل فعلا، قد يساهم في دفع حالة الاقتتال المجاني في سوريا، نحو وجهة ما.

الجديد النوعي، هو حالة التذمر الواسعة في صفوف الموالين، وقد جاءت بفعل القتل المجاني الذي ارتكبه تنظيم داعش بحق جنود الفرقة 17 واللواء 93 ومطار الطبقة وحقل الشاعر، وهناك خشية من سقوط مطار الدير وحدوث مجازر جماعية بحق الجنود المتروكين لجز رقابهم. التذمر يتأتى من رمي الجنود بين فكي الوحش داعش، حيث يمكن للنظام إنقاذهم، ومن هنا أطلق الموالون عدة حملات على فيسبوك، وقاموا باحتجاج في ساحة الأمويين في دمشق، ورفضوا رفع أعلام وصور الرئيس في وداع شهدائهم، وتمتلئ صفحات المؤيدين للنظام بالتنديد بالنظام، وتصل إلى رأسه، حيث يتم تحميله مسؤولية كل ذلك وهناك من يطالبه بالرحيل وهذا جديد غير مسبوق، ويدلل بوضوح، على أن النظام في قفص الاتهام وهو ضعيف، وأنّ الموالين لم يعد بمقدورهم تحمل الموت الإضافي.

سبق هذا الموقف منذ أكثر من عام عزوف عن إرسال الشبان إلى الحرب، وسكان المدن الرئيسية أرسلوا أولادهم إلى خارج البلاد، وراح يعتمد النظام على المليشيات الطائفية من إيران والعراق ولبنان، وبالتالي هناك موقف سياسي لدى الموالين يعلن أنهم لم يعودوا متمسكين بالنظام الذي لا يشكل لهم عامل استقرار، ويسعون لتبديله.

سيحاجج بعض المعارضين قائلين: هذا الموقف ليس تأييدا للثورة، بل هو بحث عن خلاص ذاتي وربما يتراجعون عنه. دون شك هو ليس موقفا مؤيدا للثورة ولكنه رافض للنظام، وبالتالي هو ينتظر موقفا سياسيا من المعارضة، كي يتطور. طبعا سيطور موقفه بعيدا عن المعارضة، لأنه يدفع فاتورة أكبر من أن تحتمل، فقد فاق عدد شهداء الموالين عشرات الألوف، وفي الرقة مؤخرا كان مقتلهم أشبه بمكيدة، وكأنهم تركوا ليقتلوا شر مقتلة. ألا يستدعي ما يحدث هنا تمييزا بين المقتولين، وبين من يتركهم طعاما للكلاب؟

القديم في القضية أن المعارضة ممثلة بالمجلس الوطني ولاحقا بالائتلاف الوطني، لم تهتم بمشكلات الموالين، بل لم تهتم بالإجابة عن السؤال البسيط، لماذا عزف كثير من السوريين عن المشاركة في الثورة، وهذا السؤال طُرح قبل ظهور الجهاديات وسيطرتها على العمل العسكري. كانت الأجابة، لأنهم بلا كرامة ولأن النظام حاميهم وهم مستفيدون منه، ولأن هناك انقساما عموديا، فالأقليات اصطفت مع النظام، بينما اصطفت الأكثرية مع الثورة، هذا المنطق عدا أنه كاذب، هو منطق طائفي. منطق كاذب لأن مدينة دمشق وحلب وأحياء أساسية في المدن الصغيرة كحمص وحماه، وجزء من العشائر اصطفوا كذلك مع النظام. وهو طائفي لأنه يريد شحذ الطائفية لمواجهة النظام، الذي يعتبره طائفيا.

كل ذلك قد يتغير، فالتذمر الجديد مسنود إلى ضعف النظام، وأنه من المستحيل أن يخرج منتصرا، إذن التذمر يقول بضرورة التغيير، تغيير النظام وتغيير المعارضة.

تغيير رؤية المعارضة غير ممكن، فهي تؤكد ما قلناه، والنظام بدوره لا يمكن أن يوقف خياره العسكري الأمني. ما الحل؟ نعتقد أن بداية الحل تكون باعتراف جمهور الثورة بأن الجهادية خطر على كل السوريين، وأن الثورة لكل السوريين، ورفض كل ملمح طائفي في الثورة، وأن النظام القادم سيكون ديمقراطيا والدولة علمانية، ومصالح الناس مؤمّنة. هذه قضايا رئيسية لإنهاء القطيعة بين الثورة، وبين المتذمرين والموالين.

الآن هناك داعش كخطر كارثي، ولكن كل هذه الجهاديات كارثة محققة، لأنها لا تختلف عنها كثيرا، ويكمل ذلك نزع الشرعية عن الائتلاف الوطني الفاشل، وطبعا عن المجلس الوطني الذي تميز بطلب التدخل العسكري ولم يأت، ودافع عن جبهة النصرة ورفض الطلب الأميركي بإدراجها ضمن قوائم الإرهاب. إن رفض هذه الجهاديات من قبل المعارضة والثورة، يمكن الاستفادة منه لتوسيع حاضنة الثورة والاعتراف بحقوق الموالين، والانتهاء من المنطق الطائفي السائد.

المعارضة ليست معنية بكل هذا التحليل، ولكن القديم الجديد الذي لا يُعطى أهمية وتقديرا حقيقيين، التغطية التي نراها للجديد هذا، كحملة “وينن؟” وحملة “الكرسي لك والتوابيت لأولادنا”، وكثير مما يحدث في الواقع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، هو جديد يمكن تطويره بنزع الشرعية عن المعارضة، وبذلك يمكن أن تتأسس مشتركات جديدة بين أفراد الشعب، وتتشكل ضغوط جديدة نحو واقع جديد، أساسه إيقاف الحرب وتشكيل جبهة شعبية واسعة ضد كل الجهاديات، ومحاربة النظام، والبدء بمرحلة جديدة، تسمح بإسقاطه، أو الانتقال إلى حل سياسي ينهي المأساة المفتوحة.


كاتب سوري

9