الموانئ الجزائرية ثروة تبددها السياسات الحكومية الفاشلة

أكد خبراء أن توسيع الموانئ الجزائرية وتطوير خدماتها اللوجستية أصبحا عقدة مستعصية بسبب غياب الإرادة السياسية وثقة المستثمرين المعدومة. وقالوا إن موقع الموانئ يمكن أن يجعلها شريان حياة للاقتصاد لإخراجها من الأزمات المالية الناتجة عن تراجع أسعار النفط.
السبت 2017/09/23
المساحة ضيقة لطابور السفن

اعتبر خبراء اقتصاد أن السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة في الجزائر ضيعت فرصا كثيرة لتطوير الخدمات اللوجستية في الموانئ التي تعاني من تهالك بنيتها التحتية وعدم مواكبة عصر التكنولوجيا.

وفي الجزائر هناك 40 ميناء موزعة على الشريط الساحلي البالغ طوله 1650 كلم وهي تتكون بشكل عام من أحواض صغيرة ومخازن قريبة من بعضها البعض وحواجز ضيقة تفصل بين الأرصفة، ما يعيق تطوير نشاطها التجاري.

وتتصف المبادلات التجارية المعتمدة على النقل البحري بعدم التوازن بين الواردات والصادرات، التي تقتصر على تصدير النفط حيث يشكل أكثر من 95 من إيرادات الدولة، وتستأثر بها الموانئ النفطية المتخصصة وهي موانئ أرزيو وسكيكدة وبجاية.

أما باقي الموانئ فتنتهي عندها حمولة المواد المعدة للشحن أو التفريغ كنقطة استقبال لكل ما تستورده الجزائر من مواد استهلاكية وتجهيزات صناعية وأدوية وملابس وغيرها.

ولم تقم الحكومات المتعاقبة منذ خمسينات القرن الماضي بإضافة ميناء بمعايير عالمية، قد يتيح للبواخر العملاقة الرسو فيه، وهو ما يتسبب، وفق الخبراء، في خسائر كبيرة للمستثمرين ورجال الأعمال خاصة فيما يتعلق بارتفاع تكلفة المواد الأولية التي يتم استيرادها.

وبدأت الدولة في التفكير بشكل متأخر في القطاع في ظل الضغوط المسلطة عليها بسبب تراجع احتياطياتها من النقد الأجنبي، من أجل تغير نمط نشاط الموانئ.

وأطلقت الجزائر مشروعا جديدا لبناء ميناء في الحمدانية شرق مدينة شرشال لتفعيل المبادلات التجارية، وكان المجمع العمومي الوطني لمصالح الموانئ وشركتان صينيتان قد وقعت في منتصف يناير الماضي على مذكرة تفاهم لإنجاز هذا المشروع.

وتقدر تكلفة المشروع الذي سيتم تمويله بقرض صيني بنحو 3.3 مليار دولار وسيتم إنجازه في غضون سبع سنوات على أن يدخل حيز الخدمة تدريجيا بعد أربع سنوات من انطلاق الإنجاز حيث ستتكفل شركة “موانئ شنغاي” الصينية بتسيير الميناء، وفق تقديرات وزارة القطاع.

كمال رزيق: الموانئ الجزائرية قديمة ومتهالكة وطاقتها الاستيعابية ضعيفة للغاية

ويرى خبراء أنه كان على السلطات تخصيص تلك المبالغ المالية لإعادة تأهيل موانئها المهترئة، وهو ما يعتبرونه أفضل من بناء ميناء جديد. ويقول كمال رزيق، أستاذ الاقتصاد بجامعة البليدة، إن الموانئ الجزائرية قديمة وطاقتها الاستيعابية ضعيفة إذ لا يمكنها استيعاب الحاويات الكبيرة.

وعبر مستثمرون محليون وأجانب منذ أكثر من عقد من الزمن عن استيائهم لتهالك البنية التحتية للموانئ الجزائرية، واعتبروا أن أي استثمار في المجالات الصناعية أو التجارية يكون مآله الفشل إذا لم تهتم الدولة بالموانئ.

وأكد هؤلاء أن الجزائر بحاجة إلى ثلاثة موانئ كبرى على الأقل موزعة بين الشرق والوسط والغرب حتى تستطيع تجاوز المشاكل الحاصلة في القطاع.

وحذر عبدالكريم شلغوم رئيس “نادي المخاطر الكبرى” الجزائري، من أن موانئ البلاد مهددة بالانزلاق في حال حدوث عواصف قوية وزلازل كبرى. وقال إن “كافة الموانئ تتضمن أخطاء تقنية ولا ترقى إلى المعايير الدولية”.

وتشهد كافة موانئ البلاد تقريبا اكتظاظا كبيرا، كون معالجة عمليات تسيير الحاويات ضعيفة باعتبار مساحات الموانئ غير المهيئة، ما يجعل السفن تبقى في عرض البحر لفترة أطول قبل السماح لها بالدخول.

ويؤكد المختصون أن هذا الأمر يزيد التكاليف التي تدفعها الدولة سنويا للشركات الأجنبية المكلفة بالشحن البحري أو إيجار السفن الناقلة للسلع، وهو ما يؤدي إلى استنزاف احتياطي البلاد من العملة الصعبة.

ورغم أن الحكومة قد التزمت مع صندوق النقد الدولي بإنشاء شباك موحد يتكفل بإتمام جميع الإجراءات القانونية والجمركية للسفن في الموانئ، إلا أن ذلك لم يتحقق إلى حد الآن.

ويُبقي هذا التراخي الجزائر تحت سيطرة البيروقراطية في تعاملاتها التجارية والتي تساهم في تفاقم الفساد الإداري وانتعاش مافيا التهريب عبر الموانئ الجزائرية.

ويؤكد خبراء في الاقتصاد أن الجزائر تعتبر من الدول النادرة التي لا تعتمد على تكنولوجيات الشباك الوحيد في معالجة تعاملاتها التجارية، الشيء الذي يؤثر سلبا على جلب الاستثمار حسب تقارير صادرة عن الهيئات الدولية منها منظمة الأمم المتحدة للتنمية والزراعة.

وتشير تقارير دولية إلى أن مردود مؤسسات الموانئ بالجزائر ضعيف وتقدر خسائرها السنوية بالمليارات من الدولارات، وذلك راجع إلى النمط القديم في التسيير وعدم مواكبة التطورات في مجال الخدمات، وفقا لما هو معمول به في موانئ دول أخرى ومنها موانئ المغرب، مثلا.

ورغم أن مدير عام شركة ميناء الجزائر سامي بوماتي، قد أكد أن عصرنة التعاملات التجارية ستكون حلقة وصل ضمن الحلقات المكونة للنشاط التجاري البحري بالبلاد والشراكة الجزائرية الأجنبية، إلا أن الدولة تفقد نحو 8 مليارات سنويا نتيجة السياسة المطبقة حاليا.

وتعتبر الموانئ الجزائرية الوحيدة ضمن شبكة الموانئ والمرافئ التجارية على مستوى منطقة حوض البحر المتوسط التي تفتقر إلى أنظمة التسيير الرقمية.

11