المواهب الصغيرة للأطفال تقتلها الطموحات الكبيرة للآباء

الطفل الموهوب يحتاج إلى اللعب والأصدقاء لتنمية مفاهيمه الاجتماعية، واكتشاف مواهبه الحقيقية، واكتساب خبرة عن العالم من حوله، وليس إلى شحن دماغه بالمعارف والعلوم.
الثلاثاء 2017/08/08
أضواء الشهرة تغمر الكبار والصغار

يتمتع الكثير من الأطفال بمواهب ومهارات مختلفة، تجعل آباءهم أكثر تحمسا لفكرة تسليط الأضواء عليها في أعمار مبكرة، من خلال السماح لهم بالمشاركة في النوادي والمسابقات وبرامج تلفزيون الواقع، التي قد تفتح لهم المجال ليكونوا نجوما كبارا منذ الصغر.

وتصل نسبة الأطفال الموهوبين إلى 90 بالمئة في صفوف الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين السنة والخمس سنوات، غير أن هذه النسبة يمكن أن تنحدر إلى 2 بالمئة بمجرد بلوغ الطفل السنة الثامنة، نظرا لأن الأطفال يمرون بمراحل نمو سيكولوجية متغيرة وليست ثابتة.

ولا يدخر أغلب الآباء أي جهد أو مال في سبيل إحاطة أطفالهم بمدربين وتشريكهم في أنشطة ومسابقات وطنية وعالمية في مجالات ولعهم، ويتحول مثل هذا الأمر بالنسبة إلى البعض من أصحاب المداخيل المتوسطة، إلى حالة من الصراع المالي اليومي بين ميزانية محدودة من جهة ومصاريف طائلة تحتاجها مَلَكة الطفل الموهوب لتكبر وتنمو من جهة أخرى.

وأعربت أسماء العرفاوي (مصممة صورة بصدد البحث عن شغل) عن تطلعها لمنح ابنتيها أفضل الفرص للتفوق والنجاح، قائلة “لن أتردد أبدا في تقديم الدعم اللازم لابنتي إذا لمست موهبة ما لديهما”.

المختصون في علم النفس يصفون رغبة الآباء في جعل صغارهم \'نجوما\' بـ\'القاصرة\'، لأنها لا تسمح لهم بأن يكونوا أطفالا

وأضافت العرفاوي لـ”العرب” “لاحظت أن ابنتي الصغرى تقوم بحركات لا تصدر عادة عن الأطفال في مثل سنها، والكل في محيطي الأسري أكد أنها ستصبح موهوبة ويذيع صيتها في مجال من المجالات الرياضية، ولكن المؤسف أنه لا يمكنني تسجيلها بأحد النوادي الرياضية في الوقت الحاضر لأن عمرها أقل من عامين، وهذا لا يعني أنني سأتخلى عن فكرة دعمها، على العكس سأحاول إعطاءها الفرصة كاملة لتبرز موهبتها وتدعمها".

وترى العرفاوي أن "فتح المجال للصغار للمشاركة في برامج المسابقات لا يقتل طفولتهم، وإنما القتل الحقيقي للطفل هو قبر موهبته وعدم تحفيزها".

وختمت بقولها "الشهرة اليوم أصبحت أسهل بكثير مع وجود المنصات الاجتماعية، لذلك لا بد من إعطاء كل طفل لديه موهبة الفرصة لإظهارها والتعبير عما يختلج في نفسه".

فيما أبدت نسرين ماني شيحة (صاحبة شركة) تحمسا كبيرا لرؤية ابنتها فنانة مشهورة منذ الصغر، تتسابق عدسات المصوّرين لالتقاط صور لها، وتتصدر أخبارها عناوين الصحف والمجلات.

وقالت شيحة لـ"العرب"، "ما أروع أن تكون ابنتي فنانة، إنه إحساس جميل حقا ويدعو للفخر، ولذلك فأنا أشجع بناتي على ممارسة هوايتهن منذ نعومة أظافرهن، واحترم اختياراتهن وميولاتهن".

وأضافت "دعم موهبة الطفل وفتح المجال لها لتنمو منذ مراحل عمره الأولى يمنحانه ثقة أكبر في نفسه ويزيدانه رغبة في النجاح والبروز أكثر".

أسماء العرفاوي: القتل الحقيقي للطفل هو قبر موهبته وعدم تحفيزه على الإبداع

وتعتقد أغلب الأسر العربية أن الطفل الذي لديه موهبة معينة، فهو بالتالي أكبر من عمره، وتنظر إليه على أنه قادر على الوصول إلى قمة النجاح والتفوق في مجال ولعه، ورغم حداثة سنه تحاول جاهدة أن تصنع منه نجما بكل الطرق.

غير أن العديد من الآباء ممن استطلعت "العرب" آراءهم يرفضون النظر إلى عقول أطفالهم الاستثنائية بمنظار الكبار، ويفضلون ترك حرية الاختيار لهم ليقرروا ماذا يريدون أن يكونوا في المستقبل.

ولا يحبّذ وليد قفال (مدير بشركة) إقحام ابنه في برامج المسابقات في سن مبكرة، مشددا على أهمية ترك الفرصة له ليعيش طفولة طبيعية بعيدا عن الضغوط.

وقال قفال لـ”العرب" “إذا كانت لأي طفل هواية أو موهبة، فيجب أن ندعمه ونشجعه على التعبير عنها بكل حرية، ومن دون تشديد الحصار على تحركاته واختياراته وإقحامه في برامج المسابقات، استجابة لرغبتنا نحن في تشكيل حياته والتصرف فيها وفق ما نريد نحن وليس هو”. وأضاف “الطفل يمر بعملية نمو مستمرة في العقل وتغيير سلس في التفكير، ولذلك فما هو عليه اليوم ليس بالضرورة أن يكون عليه غدا، ولذا لا يجب أن نفرض عليه طموحتنا، بل علينا أن نوفر له البيئة التي تجعله هو صانع القرار، وليس المُقَرَّر له".

فيما يرى هشام الوحيشي (موظف) أن الطفل كالإسفنجة يمتصّ جميع المعلومات من محيطه العائلي والاجتماعي ويتأثر بها، وهذه الميزة تجعل من السهل على والديه أن يرسخا في ذهنه فكرة قدرته على تحقيق طموحاته ويدعمان ثقته بنفسه.

وقال الوحيشي لـ"العرب" "كل أب يطمح إلى أن يكون ابنه مبدعا وناجحا ومتميزا، و لو قدر لابني أن يكون من أصحاب المواهب، فسأبذل قصارى جهدي من أجل إعطائه دفعا قويا للوصول إلى ما يريد، وليكون محط الأنظار ومشهورا".

وأضاف مستدركا "ولكن بشرط أن تقوده موهبته لأن يكون مبدعا حقيقيا فيستفيد هو ويفيد مجتمعه، ولا تفضي موهبته إلى الميوعة التي لا طائل من ورائها".

وينفق العديد من الآباء الملايين لتدريب أذهان أطفالهم، وتعزيز معارفهم ومهاراتهم، وقد تتحول البيئة الأسرية في بعض الأحيان إلى وبال يدمر قدرات الأطفال، بسبب أجوائها المليئة بالضغوط والمشحونة بالتوتر.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الوضع المحزن ما آلت إليه "معجزة الرياضيات" صوفيا يوسف، التي لطالما احتفلت ماليزيا بعبقريتها، وسجّلت اسمها لتدخل جامعة أوكسفورد وعمرها 12 عاما، لكنها تخلت عن دراستها قبل أن تكمل امتحانات التخرج، وبدأت العمل كنادلة في مطعم، ثم أصبحت لاحقا بائعة الهوى، تقوم بتسلية زبائنها بقدراتها على قراءة المعادلات الرياضية أثناء المعاشرة الجنسية.

ويؤكد البعض من الخبراء على أهمية الدروس والدورات التدريبية لتطوير موهبة الطفل وصقلها، وتحفيز القوى النفسية والذهنية لديه، إلا أنهم يحذرون من ازديادها عن الحد حتى لا تنقلب إلى الضد، فتقتل مواهب الطفل، وتبدد بالتالي أحلام الآباء برؤية طفلهم يسير على السجادات الحمراء.

ويصف المختصون في علم النفس رغبة الآباء في جعل صغارهم “نجوما” بـ”القاصرة”، لأنها لا تسمح لهم بأن يكونوا أطفالا، مذكرين بحقيقة أن الطفل الموهوب ما هو إلا طفل في الواقع، فقد يكون بمقدوره التعامل مع كمية كبيرة من المعلومات والمعارف ويبدي تفوقا في العديد من المجالات، ولكن تكوينه البدني والنفسي لم يكتمل بعد، وهو بحاجة إلى اللعب والأصدقاء لتنمية مفاهيمه الاجتماعية، واكتشاف مواهبه الحقيقية، واكتساب خبرة أكثر عن العالم من حوله.

21