المواهب لا النجوم وراء نجاح مسلسل "وعيت"

مسلسل يقدّم حالة درامية مختلفة على مستوى الشكل والمضمون، إضافة إلى التوظيف الجيد للمؤثرات البصرية والصوتية.
الجمعة 2019/12/27
لا شيء باقيا على حاله

بدا المسلسل اللبناني “وعيت” مُبشرا بنوعية مختلفة من الأعمال الدرامية اللبنانية، فهو يقدّم حالة درامية مختلفة على مستوى الشكل والمضمون، مع سعي لافت إلى تجاوز الأخطاء التقليدية الشائعة في الدراما اللبنانية والعربية، من تطويل متعمد وقصص مكررة وسياق يبدو مجافيا للحقيقة أحيانا، هذا خلافا للحوار والأداء المتصنّع.

أثبت مسلسل “وعيت” الذي عرضت حلقاته أخيرا على قناة “أو.إس.إن يا هلا” الإماراتية أن الساحة الدرامية اللبنانية تمتلك مواهب كثيرة، وهي تحتاج فقط إلى التوظيف الجيد لمهاراتها.

وتمتع الحوار داخل العمل بالسلاسة، كما امتلك السياق الدرامي قدرا وافرا من التشويق والخيال، بالإضافة إلى التوظيف الجيد للمؤثرات البصرية والصوتية. أما على مستوى التصوير فقد اتبع مخرج العمل أسلوب التصوير السينمائي، كما وُفّق في إظهار جماليات غير تقليدية للمشهد، ما أضفى أبعادا مختلفة للصورة على الشاشة.

والمسلسل مكوّن من 16 حلقة تمثل الموسم الأول من العمل، وقد أعلنت الشركة المُنتجة عن نيتها البدء في تصوير الجزء الثاني من المسلسل خلال أسابيع، بعد هذا الاستقبال الجيد الذي حظي به الجزء الأول عند بداية عرضه.

و”وعيت” تمت كتابته عن طريق ورشة عمل شارك فيها مجموعة من الكتّاب والكاتبات تحت إشراف نادية طبارة، وهي طريقة أثبتت جدارتها في تلافي الأخطاء المتعلقة بالحوار والحبكة الدرامية، حيث بدا واضحا أن هناك تأنيا في الكتابة، واختيارا موفقا للجمل الحوارية وصناعة الحبكة الدرامية، والتي يمكن أن نقول إنها قد خلت تقريبا هنا من المفارقات التقليدية الساذجة. يضاف إلى كل ذلك أن هناك اهتماما واضحا بالتفاصيل والجزئيات الثانوية، وهو أمر تعاني منه الدراما العربية في شكل عام.

تستوقفنا هنا مجموعة من التفاصيل المتعلقة بطاقم العمل، فالمسلسل يعدّ التجربة الدرامية الأولى لمخرج الإعلانات اللبناني مازن فياض، وتصدت لبطولته الفنانة اللبنانية فلافيا بشارة القادمة من خلفية سينمائية. وهي التي شاركت سابقا في عملين سينمائيين لبنانيين هما: “طيارة ورق” و”حائط آدم” اللذان حظيا بتقدير من قبل النقاد والسينمائيين، كما حازا على الكثير من الجوائز وشهادات التقدير. في حين يعدّ مسلسل “وعيت” أول تجارب بشارة في مجال الدراما التلفزيونية.

ويحسب للعمل اعتماده على الموهبة في المقام الأول، لا إلى نجومية أبطاله أو سماتهم الجمالية، ونلفت هنا إلى ظهور بطلة العمل فلافيا بشارة في أجزاء كثيرة من المسلسل من دون مساحيق تجميل تقريبا، وهو أمر لم نعتد عليه بالطبع في المسلسلات اللبنانية.

إلى جانب فلافيا بشارة شارك في المسلسل مجموعة متميزة من الفنانين اللبنانيين بينهم ستيفاني عطالله، وطارق يعقوب، وجوزيف بونصار، وريموند عازار، ومحمد عقيل، وكميل سلامة، وسلافيا بشارة وربى زعرور.

ميزة المسلسل اللبناني تمثلت في اعتماده على الموهبة في المقام الأول، لا على نجومية أبطاله أو سماتهم الجمالية

وتدور أحداث المسلسل حول الفتاة دانا (فلافيا بشارة) التي تفيق من غيبوبة استمرت معها لأكثر من 12 عاما لتجد نفسها في مواجهة العديد من التحديات، بداية من التغيّر السريع الذي شهدته المجتمعات خلال العقد الأخير، وخاصة هذا الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي.

ويحمل هذا الجانب نقاط تشويق كافية للفت انتباه الجمهور، فبطلة المسلسل تبدو هنا كأنها تتعرّف على الحياة من جديد كي تتمكّن من مجاراة هذا التغير وتفاصيله التي بدت معقدة. ولا يتوقف المسلسل طويلا عند تأمل هذه المتغيّرات التي أصبحت مألوفة لنا اليوم رغم ما أحدثته من تأثير عميق على حياتنا.

ومع تعافي دانا يتكشّف لها ولنا العديد من الأحداث الغامضة حول ملابسات الحادث وحول أسرتها وأصدقائها. نعرف مثلا أن الحادث الذي تعرّضت له أتى جرّاء الانفجار الذي استهدف رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.

ومع تلاحق الأحداث تتكشّف طبيعة السياق الدرامي شيئا فشيئا ليزداد الوضع غموضا مع الوقت، فأمامنا فتاة طموحة أنهت دراستها وتسعى لتحقيق حلمها في إدارة الأعمال، وهي تتعاون مع زميلها في الدراسة غسان فياض لتأسيس شركة دعاية خاصة بهما.

تخطو دانة وغسان خطوات كبيرة في سبيل تحقيق حلمهما، كما تتجهز للزواج من حبيبها فادي. وفي تلك اللحظات المُفعمة بالنجاح والأمل تسقط بطلة المسلسل في غيبوبتها الطويلة تاركة كل شيء وراءها.

تتعايش دانا بعد إفاقتها مع تأثيرات الغيبوبة عليها، والتي كان من أعراضها تمتعها بقدرات تبدو غير طبيعية، في نفس الوقت الذي تفقد فيه جانبا من ذكرياتها. ومن هناك تبدو بطلة المسلسل غريبة الأطوار أحيانا في نظر البعض بسبب أحاديثها الجانبية مع طيفها الذي يظهر لها بين الحين والآخر.

برع المخرج مازن فياض في توظيف المؤثرات البصرية في سياق العمل، ومن بين المشاهد اللافتة مثلا يطالعنا مشهد الانفجار الذي أودى بدانة إلى الغيبوبة، وهو أحد المشاهد المصنوعة ببراعة.

 كما أن التفاصيل الأخرى المتعلقة بالديكور تتمتع بقدر من الفهم والمصداقية، بالإضافة إلى النقلات الموفقة للكاميرا والنجاح في التعامل مع مشاهد الشارع رغم صعوبتها. على مستوى الأداء التمثيلي يمكن الإشادة هنا بأداء الفنانة الشابة ستيفاني عطالله التي تؤدي دور “لما” وهي أخت دانا الصغرى، وكذلك دور الفنانة ريموند عازار التي تؤدي دور والدة دانة. الفنان محمد عقيل هو الآخر أدى دوره ببراعة أيضا كوالد مهموم بابنته ومشتّت بين أعماله المريبة والخوف على أسرته.

مسلسل “وعيت” هو عمل جيّد، ويتسم بقدر كبير من مقومات النجاح، وهي تجربة يمكن البناء عليها وتبشّر بنقلة نوعية في صناعة الدراما اللبنانية بلا شك.

يذكر أن مسلسل “وعيت” كان من المقرّر له أن يعرض على شبكة نتفليكس، وجرت مفاوضات مطولة بهذا الشأن، إلى أن تم الإعلان عن عرضه على شاشة “أو.إس.إن يا هلا” الإماراتية من دون التطرّق إلى أسباب تعثّر المفاوضات مع الشبكة الدولية.

16