الموبايلات تمحو معالم شارع عبدالعزيز في القاهرة

شارع عبدالعزيز وسط القاهرة، ليس مجرد شارع عادي، بل هو سوق تضم العشرات من المحال والتوكيلات التجارية الخاصة بأشهر الماركات العالمية، والتي تجاهد للفوز في معركة الحفاظ على السمعة، التي تشوّهت بسبب حالات الغش التي بات يتعرض لها الزائرون، وتعاني المنافسة الشرسة من المراكز التجارية الكبرى للتكنولوجيا، التي يطلق المصريون على الواحد منها “الهايبر”، وانتشرت في معظم المدن المصرية الرئيسية.
الاثنين 2016/10/31
المعلم الباقي من اللوحة المعمارية للشارع

القاهرة - في شارع عبدالعزيز، تبدو الأوضاع المعيشية حاضرة في كلام أصحاب المحال والزبائن، فعندما تسأل عن حركة بيع وشراء الهاتف الخلوي، ينتقل بك البائعون إلى الحديث عن ارتفاع سعر السكر والأرز، ويشددون على وجود رابط قوي بين أسعار السلع الأساسية وقدرة الأسر المتوسطة على شراء هواتف جديدة، أو تغيير القديمة.

سُمي الشارع بهذا الاسم، تيمنا بزيارة السلطان عبدالعزيز، سلطان تركيا، لمصر في عام 1870، حيث مكث فيها عشرة أيام، تنقل خلالها بين القاهرة والإسكندرية، وقد واكبت الزيارة بدء الحكومة بشق طريق تربط قصر الحكم في منطقة “عابدين” وسط القاهرة، بقصر الخديوي الأخضر في منطقة “العتبة” القريبة من “عابدين”، وجاء لفظ “العتبة الخضراء” من القصر الذي كان يكتسي باللون الأخضر.

وظل الشارعُ الترمومترَ الحقيقي لحركة تداول الهواتف بمصر، فرغم انتشار العشرات من المراكز التجارية الكبيرة (المولات) المتخصصة في التكنولوجيا، إلا أنه يظل الشارع “الرئيس”، حتى أن المحال الكبيرة نفسها تحصل منه على احتياجاتها من الاكسسوارات، وعندما تعجز عن إصلاح عطب بهاتف خلوي، تكون نصيحتها لمالكه التوجه إلى “مُلوك” صيانة الهواتف الخلوية بالشارع.

ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يساهم طرح خدمات الجيل الرابع في الاتصالات بمصر، في انتعاش مبيعات الهواتف الذكية بمصر، ومواجهة أزمة الركود التي تعاني منها السوق، إذ أن ثمانية بالمئة فقط من أجهزة الخلوي بمصر الآن تستطيع التعامل مع تلك التقنية الجديدة، ومع ذلك فإن محال الهواتف بالشارع تبدو متشائمة.

قال عبده أبوالنور، مسؤول المبيعات بأحد معارض بيع الهواتف الخلوية لـ“العرب”، إن الجيل الرابع سيجتذب من أسماه بالشباب “التافه”، الذي قد يُضيّع عائد عمله لعدة أشهر، من أجل اقتناء هاتف حديث، ليتباهى به أمام أقرانه، وبأن لديه القدرة المالية، ويمتلك هاتفا ذكيا بالفعل، ويمكنه الاستفادة من تلك التكنولوجيا الجديدة بمصر.

وتوجد ازدواجية حادة في تعامل المصريين مع التكنولوجيا؛ فرغم ارتفاع أسعارها، إلا أن عددا كبيرا منهم، خصوصا الشباب، يحملون أكثر من هاتف متطور، كما أصبح الهاتف الخلوي هدية إجبارية؛ فأي شاب مطالب بتقديمه لخطيبته بعد إتمام الخطبة، في الكثير من قرى شمال مصر.

وشهدت مصر، التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة، حالة من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية، بعد ظهور طوابير أمام توكيل شركة “آبل” بحي مدينة نصر في القاهرة، للحصول على “آيفون 7” الجديد، الذي يتراوح سعره بين 1351 و2253 دولارا، أي ما يوازي نحو 19 ألف جنيه مصري، بسعر السوق الموازية.

وتعاني سوق الهواتف الخلوية بمصر حالة ركود في حركة البيع، جراء ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، فخلال ثلاثة أشهر زادت بعض الموديلات بنحو 157.5 دولارا، عقب ارتفاع سعر العملة الأميركية بالسوق السوداء، ليسجل الدولار حاليا 15.5 جنيها، وفقا لأصحاب محال المحمول.

وأكد محمود الأسواني، بائع بمحل للهواتف المستعملة، أن الأمر ذاته ينطبق على سوق الهاتف المستعمل، فحركة المبيعات تأثرت بنسبة تتجاوز 75 بالمئة، بسبب ارتفاع الأسعار، بما يتراوح بين 22.5 و45 دولارا، ومن المبكر توقّع ما إذا كانت الشبكة والرخصة الجديدة (4 جي) للهاتف الخلوي ستنعشان مبيعات الهواتف الذكية أم لا.

بحسب تقديرات رسمية، فإن ما يتم استيراده سنويا من أجهزة المحمول، يصل إلى نحو 15 مليون جهاز، بقيمة واردات سنوية تناهز الـ1.1 مليار دولار، إلى جانب أعداد أخرى يتم تهريبها في حقائب المسافرين أو العائدين إلى مصر عبر الرحلات البحرية، خاصة من دول الخليج.

معركة السمعة

وفقا لأصحاب محال بيع الهواتف بشارع عبدالعزيز، فإن هناك معركة يخوضها الشارع للحفاظ على سمعته من بائعي الهواتف المسروقة والغشاشين، الذين ينتشرون على جانبيه، ويعرضون على المارة شراء أو بيع هواتف مسروقة، أو بيع هواتف قديمة بحالة جيدة، على أنها جديدة، بعد تزييفها باستخدام أنواع من المحاليل والمواد الكيميائية، وتغيير البعض من مكوناتها كالشاشة والبطارية لتبدو جديدة، ووضعها في علب وبيعها بأسعار مرتفعة.

الهاتف الخلوي أصبح هدية إجبارية؛ فأي شاب مطالب بتقديمه لخطيبته بعد إتمام الخطبة، في الكثير من قرى شمال مصر

ودفع تعدد حالات الغش البعض إلى وضع وصفة من 10 نصائح، لمواجهة حوادث الغش دائمة التكرار، أهمها عدم الشراء من المحال الواقعة بأول الشارع أو آخره، وتجنب الحديث مع السماسرة والوسطاء المنتشرين في كل مكان، وعدم السؤال عن المنتج في المحل ذاته مرتين.

وتعد سرقة الهواتف المحمولة في مصر ظاهرة يومية، وفقا لتقديرات مباحث الاتصالات، التي أكدت تلقيها يوميا، بلاغات بسرقة هواتف المواطنين بجميع مراكزها المنتشرة في كامل تراب الجمهورية.

وكشف الكثيرون أن هذا المسروق، يجد طريقه مباشرة إلى شارع عبدالعزيز، ليتم بيعه أو تفككيه إلى قطع غيار.

وقال وليد رمضان، رئيس شعبة تجارة الهواتف الخلوية بالغرفة التجارية في القاهرة، إن سرقة الهواتف مشكلة لا تقتصر على شارع عبدالعزيز فقط.

وأوضح لـ“العرب” أن الشارع منذ يونيو 2014، أي بعد استقرار الأوضاع الأمنية نسبيا، يخضع لحملات تفتيش من أجهزة رقابية متعددة، كشرطة المصنفات الفنية، ومباحث الاتصالات، وشرطة المرافق، وقسم شرطة العتبة، الأمر الذي ينفي تماما الاتهامات التي يتم توجيهها للشارع، باحتوائه على ورش لتزييف الهواتف.

وأضاف رمضان، الذي يصف نفسه بـ”شهبندر” تجار الهواتف في مصر، أن تشاؤم الشارع حِيَال الجيل الرابع في محله، فالأوضاع الاقتصادية التي يعيشها المصريون تمنعهم من بيع هواتفهم القديمة بمبالغ زهيدة من أجل شراء أخرى تتوافق مع الجيل الرابع بأسعار مرتفعة، خصوصا أن ثمن الأجهزة ارتفع بنسبة 20 بالمئة، بسبب أزمة الدولار.

ورغم تشاؤم تجار الهواتف حيال تكنولوجيا الجيل الرابع، فإن الشركات الصينية كان لها رأي آخر؛ إذ أن أربعا منها تعتزم افتتاح مصانع لتجميع وتصنيع الهواتف الذكية بمصر مع طرح الجيل الرابع، لتنضم إلى الـ 15 ماركة عالمية تتنافس في جذب المستهلكين المصريين، الذين يُتوقع أن يصل عددهم إلى 140 مليون نسمة في عام 2030.

وتمتاز تكنولوجيا الجيل الرابع بتسهيل عمليات الاتصال المرئي عن بعد، كما تمتاز بسرعات عالية في معدلات تحميل البيانات (بسرعة 173 ميغابايت في الثانية)، ومعدلات رفع البيانات (بسرعة 86.4 ميغابايت في الثانية، ويمكن زيادتها لتصل إلى 1 غيغابايت في الثانية)، وسوف تسهم في زيادة المنافسة بين شركات المحمول الثلاث العاملة بمصر (أورانج واتصالات وفودافون) إلى جانب شركة “المصرية للاتصالات” التي حصلت على الرخصة الرابعة، من أجل تقديم باقات من الخدمات تجذب المزيد من الجمهور.

وقال خالد سعيد، وكيل غرفة صناعة الاتصالات بالغرفة التجارية في القاهرة لـ“العرب”، إن ثلاثة بالمئة فقط من الهواتف التي يحملها المصريون الآن ذكية تستطيع التعامل مع تكنولوجيا “الفور جي”، وإقبال المواطنين على شراء الهواتف الذكية، والتحول من الاعتماد على الإنترنت الأرضي، ليسا مرهونين فقط بأسعار الهواتف الجديدة، وإنما بمستوى الأسعار التي تقدمها الشركات لباقات الإنترنت وسرعتها، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أغلب المواطنين.

عبق التاريخ

قد لا يعرف زائرو شارع عبدالعزيز أن تحت أقدامهم رفات أجدادهم، فالشارع الذي ترجع نشأته إلى 146 عاما، كان مدفنا لسكان القاهرة، ومنهم عبد‏‏القادر‏ ‏الدسوقي‏، شقيق إبراهيم الدسوقي، أحد أقطاب الصوفية بمصر، قبل أن تنقل عظامهم إلى مسجد “العظام”، الذي تولّى الأهالي صيانته بصورة عشوائية أضاعت ملامحه التاريخية.

الهواتف الذكية مركز اهتمام الشباب

وكان عام 1998 النقلة التي غيرت ملامح الشارع تماما، بظهور أول شبكة للهاتف المحمول بمصر؛ شبكة “موبينيل”، إذ بدأ طوفان تجارة الهواتف والشرائح وإصلاح الهواتف الخلوية، يلتهم الشارع، دون أن يفرق بين الفنادق ودور العرض السينمائية والتراث، أو حتى البيوت السكنية، فكل شيء تم وضعه تحت خدمة التجارة الجديدة ذات الربحية المرتفعة.

فوزي الدماطي، من السكان القلائل الذين شهدوا تطور شارع عبدالعزيز على مدار تاريخه، أوضح أن الشارع العريق شهد أحداثًا هامة في تاريخ مصر، من بينها مرور محمل كسوة الكعبة، بحضور الملك فاروق سنويا، وتأسيس أول فرع لشركة عمر أفندي للملابس، الذي كان تحفة فنية.

ظل الشارع محل سكن لمن ينعتون في مصر بـ“علية القوم”، أي أصحاب الحظوة والرخاء المادي، حتى تأسيس أول فرع لمحل “أوروزدي” بيك، الذي تم بناؤه في ستة طوابق، على طراز أوروبي، واشتراه ثري مصري يهودي، وأسماه عمر أفندي، قبل أن يخضع للتأميم بعد ثورة يوليو 1952، وكانت قبته تخرج منها أنوار تضيء ليل وسط القاهرة، في أيام “الأوكازيونات” (مواسم البيع بأسعار مخفضة) لتجذب أنظار سكان العاصمة للشارع العريق.

وترحّم الدماطي، في حديثه مع “العرب”، على تاريخ الشارع، مع حنين إلى أيام الملك فاروق، الذي يعتبره أفضل حاكم مر على مصر، وأنه طالما تعلق وهو طفل بـ”الحناطير” الملكية (مركبات خشبية تجرها أحصنة)، التي كانت تمر بالشارع، أما الآن فلا يمكنه التجول بسبب انتشار سماسرة الهواتف المحمولة، واحتلال الشارع من قبل البائعين وهجرة سكانه الأصليين الذين لم يتحملوا البقاء، بعد التغيرات العنيفة التي شهدها، لا سيما في العشرين عاما الأخيرة.

كان السعي للمكسب المالي وراء هجرة السكان الأصليين من عبدالعزيز، فالنشاط التجاري رفع أسعار الإيجارات الشهرية للمحال لتصبح متراوحة بين 338 و1352 دولارا، بينما تضاعف معلوم الإيجار الشهري للوحدات السكنية بالشارع.

وقال الدماطي، إن كل ما له علاقة بالزمن الجميل اختفى، حتى مسجد العظام الذي يضم رفات المقابر التي وجدت قبل عبدالعزيز تم إهماله، فلافتة الرخام للشيخ الصوفي عبدالقادر الدسوقي، تم تدميرها من قبل البعض من معارضي الطرق الصوفية (السلفيين)، منذ أيام قليلة.

واندثر كل ما له علاقة بالآثار الخديوية، أمام لافتات المحال المضيئة وشعارات التوصيلات الضخمة، فمثلا سينما “أولمبيا” التي يبلغ عمرها 112 عاما، وكانت أقدم مسرح بمصر واحتضنت معظم أعمال الشيخ‏ ‏سلامة‏ ‏حجازي (مطرب وملحن مصري شهير) لم يتبق منها سوى لافتة تآكلت، وطابقها الأرضي تم تأجيره من الباطن، لمحال المحمول التي طمست معالمها تمامًا.

ولا يلاحظ الكثير من زائري الشارع حاليا بقايا سينما “أولمبيا”، التي أرخت لنشأة الفن المصري، بداية من نقل الأغنية من مجالس التخت إلى خشبة المسرح، ثم أرّخت لفن المونولوغ الشعبي والمارشات والسلامات الخديوية، ثم نشأة السينما فوتوغرافيا، علاوة على أنها كانت أول من أدخل الترجمة العربية على الشاشة باستخدام ألواح زجاجية.

يبدو أن شارع عبدالعزيز محكوم عليه بأن يظل مستهدفا من قبل المتشددين، بدءا من المتطرف الذي دمر لافتة عبدالقادر الدسوقي، مرورا بمتطرف السياسة اليهودي الذي حاول إحراق سينما “أولمبيا” في الأربعينات من القرن الماضي، بقنابل حارقة، وصولا إلى “مجانين” الهواتف الخلوية الذين قضوا على جمال الشارع التاريخي، بلافتات تحمل شعارات مثل “نجم المحمول” و“جن التكنولوجيا” و“عبقري الموبايل”، وغيرها.

20