الموبايل ومتعة الثرثرة

الأربعاء 2016/05/04

يشخّص بعض علماء النفس الثرثرة بأنها غريزة إنسانية راسخة تؤدي وظيفة حيوية عضوية واجتماعية بل إنها تبدو ضرورة فيزيولوجية وغريزية، والدليل على ذلك أن الكثير من الحيوانات تثرثر حتى مع نفسها، وخاصة الطيور!

وقد اهتم العديد من الباحثين في علم النفس الاجتماعي والفيزيولوجية وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) بدراسة ظاهرة الثرثرة بين البشر، وخاض في هذا الموضوع حتى الفلاسفة. ومما وصلوا إليه من إيجابيات الثرثرة، تسهيل بناء العلاقات الاجتماعية، وتوثيق العلاقات الثنائية، وتعزيز الاهتمامات المشتركة، كحل النزاعات، وزيادة التعرف على النفس البشرية، والتعرف على هموم ومشاكل الآخرين وربما المساهمة في حلها، والترويح عن الذات بما يسميه المصريون “الفضفضة”.. إلخ.

ويزعم بعض الباحثين أن الثرثرة تساهم في تطوير وتنمية مقدرات الإنسان اللغوية ومهاراته في التعبير عن أفكاره وزيادة ثروته اللغوية. ويؤكد التربويون أن الثرثرة بين الأطفال أنفسهم أو ثرثرة الكبار معهم هي أفضل الوسائل لتعلم اللغة عند الصغار.

وجاء الهاتف المحمول ليفتح مجال الثرثرة على أوسع أبوابه، وليوفر فرصا لثرثرة غير محدودة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالمزاج أو بالانشغال أو الفراغ.. وبين كل الأعمار. فالهاتف المحمول وفر لنا ثرثرة بلا حدود ضمن شبكات حميمة تخفف من الضغوط والعزلة التي تعاني منها الحياة الحديثة بتعقيداتها التي قلصت فرص التواصل المباشر بين البشر، فجاء الهاتف المحمول بمثابة حبل نجاة اجتماعي في عالم تسود فيه القطيعة والعزلة.

فأن تستعمل الهاتف المحمول هذا يعني أنك لست وحدك حين تقرأ كتابا أو مجلة، بل إنك على اتصال مع طرف آخر نطقا أو كتابة، وأنك تشعر بالخلوة معه حتى وإن كنت في سوق أو مكان مزدحم بالغرباء أو في وسيلة نقل عامة .. ما أن تفتح الهاتف حتى تعزل نفسك عن الآخرين، وتصبح وحدك مع شخص آخر غائب عن أنظار الناس الذين من حولك. أنت الآن في فضائك الخاص تتمتع بحق الخلوة حتى في الأماكن المزدحمة.

والتحدث في الهاتف المحمول بالأماكن العامة له دلالة إضافية خاصة بالنسبة إلى النساء الوحيدات، إنه يقول نعم أنا الآن وحيد هنا ولكنني لست بمعزل، إذ أن لي محيطي الاجتماعي وأستطيع التحدث معه وربما أمزح وأضحك وأثرثر كما أريد وأنسى كل هذا العالم الغريب من حولي! وإذا لم أستطع الثرثرة بالكلام والنطق أستطيع أن أمارس نوعا آخر من الثرثرة الصامتة، ألا وهي بالرسائل النصية أو الصور أو بالرنات المتفق على معانيها بين الأصحاب.

لقد حرر الهاتف المحمول الفرد من وحدة المكان عندما ينتظر اتصالا هاتفيا عبر الخط الثابت، كما أن الاتصال بالخط الثابت لا يحمل تلك الخصوصية التي يحملها المحمول، فأنت إن اتصلت بالخط الثابت ستسأل “فلان موجود؟”.. أما إن اتصلت بالمحمول، فأنت تعرف صاحبه دون أن تسأل عن ذلك.

وتقول إحصائية يابانية إن أغلب اليابانيين يمارسون الثرثرة على الهواتف في أوقات الانتظار إن كانوا في محطات القطار أو المطارات أو انتظار بدأ العمل.. أي لتضيّع الوقت وليس بالضرورة لتنمية العلاقات الاجتماعية، وقد تكون الثرثرة مزعجة لأحد الطرفين فقد يكون مشغولا بأمر أهم، أو غير مهتم بمضمونها، أو غير راغب في إطالة الحديث مع الشخص الثاني.

وكما أن طالب المكالمة يعرف الشخص المطلوب وينوي الحديث معه، فإن المطلوب يعرف اسم الطالب من قراءة اسمه على الشاشة وله حرية الرد عليه أو الامتناع، وله بعد ذلك العديد من الحجج لتبرير سلوكه منها مثلا، كانت البطارية ضعيفة.. كنت في مكان كثير الضجيج.. كان الهاتف بعيدا.

وبالرغم من الانشغال المفرط للبعض بالهاتف المحمول وسلبية البعض الآخر في اللقاءات العائلية والاجتماعية لأشغالهم بهواتفهم المحمولة، إلا أنه يبقى وسيلة مذهلة للتواصل مع الآخرين والاطمئنان على أحوالهم وأخبارهم وإعلامهم بأحوالنا والتفاعل معهم بثرثرة مقبولة أو ممجوجة، فهو وسيلة الاتصال الشخصية الدائمة التي يحملها أكثر من نصف سكان العالم، إذ ارتفع عدد مستخدمي الهاتف المحمول من مليار و200 مليون عام 2004 إلى أكثر من أربع مليارات عام 2014.

18