الموت البطيء للسياسة في مصر

الاثنين 2016/07/04

عندما تحرك المصريون في 25 يناير 2011، شاعت عبارة عودة السياسة إلى مصر، بعد فترة طويلة من الركود، كان كل شيء فيها خاضعا لحسابات وتقديرات نظام الحزب الوطني المنحل، هو الحاكم الفعلي للبلاد، والمتحكم الرئيسي في أدوار غالبية قوى المعارضة، الحقيقي والكومبارس، لذلك انعدمت السياسة بمفهومها الحرفي في مصر.

الفترة التي عادت فيها السياسة واسترد فيها البعض قدرا من أنفاسهم وحيويتهم ونشاطهم وعافيتهم لم تكن كبيرة، يمكن القول إنها لا تتجاوز العامين ونصف العام، ثم عاد الخمول والكسل والتآمر والتشرذم، وقويت شوكة الأجهزة الأمنية بدلا من المؤسسات والهيئات والأحزاب السياسية.

الكلام عن تحميل النظام في مصر وحده مسؤولية السلبيات التي وصلت إليها البلاد سيكون غير منصف، فإذا كانت هناك قوانين صدرت، مثل قانون التظاهر، كبلت حركة النشطاء والسياسيين في الشوارع، فهناك غياب عميق من قبلهم عن الاحتكاك مباشرة بالمواطنين، والمسافة بعيدة بين الجانبين، وتجسيرها بحاجة إلى تحركات مخلصة.

إذا كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لا يقف خلفه ظهير سياسي رسمي، فإن معظم القوى السياسية تكالبت على دعمه وتأييده، وتسابقت لتحفظ لنفسها مكانا على يمينه أو يساره، وهو دليل فاضح على غياب السياسة.

لعل التمثيل النيابي داخل البرلمان يعكس شكل الخارطة بدقة، فعدد النواب المستقلين يفوق فريق الحزبيين، وهي صورة أخرى تؤكد أن العلاقات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية، وليست البرامج السياسية، تتحكم في الوصول إلى مجلس النواب، فهناك فئة قليلة نجحت انطلاقا من رؤاها السياسية، وحتى هذه لم تخلُ من علاقات شخصية، والأغلبية قفزت بطريقة التربيطات الأمنية.

الأمراض التي تنخر في جسد الجهات المنوط بها أن تكون لها أدوار سياسية، باتت مستعصية على العلاج، في ظل الاستسلام الذي تبديه للسلطة الحاكمة، كما أن الدوائر التي تملك زخما وعافية تتصرف بصورة فردية، فلا يوجد وعاء جامع لها، يسمح بسماع صوتها لدى قطاعات عريضة، مع ذلك تصرّ على سماع ضجيجها فقط.

التفسير عندي يدور حول وجود مجموعة من المحاور قد تساعد على فهم هذه الظاهرة، ومهما بدت مريحة حاليا للنظام الحاكم، فإن أضرارها ومخاطرها وتداعياتها على المدى البعيد سوف تكون مدمرة.

في مقدمتها، المحاولات المستمرة لإفساد الطبقة السياسية من قبل الأنظمة الحاكمة، بذهب المعز وسيفه، فقد جاء حين من الدهر كان يتم فيه إسكات كل صوت يتمتع بدرجة من الاستقلالية، من خلال منحه مزايا مادية مغرية، أو تلصق به التهم، وتسلط عليه الأبواق الإعلامية، لتجبره في النهاية على الاستسلام أو الانسحاب، والآن بدأ هذا الاتجاه يطل برأسه من جديد.

كما أن هذا النوع من التوجهات كفيل بردع من لديه ذرة من سياسة للابتعاد عنها، خوفا من توريطه في مشكلة أو جره إلى أزمة لا قبل له بها، وهو ما اضطرّ البعض إلى اللجوء إلى العالم الافتراضي، والتنفيس السياسي عبر أدواته، بكل ما تنطوي عليه من مغالطات.

الأخطر أن الأجواء التي تعيشها مصر الآن تكاد تكون قريبة من تلك التي عاشتها قبل ثورة 25 يناير، من حيث الدرجة العالية للابتزاز التي يقوم بها البعض ضد أشخاص أو جهات بعينها، ومن زاوية الرغبة في استمرار السيولة والفوضى والارتباك في دولاب الدولة، ومن جهة التصادم في التصورات، التي بلغت حدّ التضارب، فضلا عن عدم حسم الكثير من الأمور، التي يؤدي تركها إلى المزيد من الفوران وربما الانفجار.

الموت الإكلينيكي للسياسة في مصر مسألة طبيعية، وسط غياب أي قوى منظمة في الشارع تقدم المصلحة الوطنية على الشخصية، فالأصوات الزاعقة المعارضة، تريد هدم الدولة وليس إصلاحها، والأصوات الزاعقة المؤيدة مستمتعة بالفراغ، لذلك لم ينجح كل منهما في توصيل رسالته، وجذب عدد كبير من المواطنين إلى صفه.

الدور الذي تلعبه البعض من أجهزة الأمن في الشؤون السياسية لم يعد خافيا، ومع أنه في الظاهر يوحي بأنه يسد الفجوة التي أوجدها غياب الأحزاب عن الشارع، والحيلولة دون توظيف جماعة الإخوان له، غير أنه رسخ قناعات سابقة بشأن تغوّل الأمن وتحكّمه في قضايا ليست من صميم اختصاصه، بشكل زاد الأعباء عليه، حيث طغت الهموم السياسية على القضايا الجنائية.

ضعف الخارطة السياسية في مصر حاليا، يقود إلى زيادة وتيرة الأزمات، لأنه يطلق يد البعض من الأجهزة (قليلة الخبرة) للتحكّم في ملفات ليس من صميم اختصاصها، وتصدر قرارات وتتخذ إجراءات غير صائبة أو تفتح الباب لمشكلات، كان من الممكن تحاشيها.

من يتمعن في جميع المطبات التي سلطت عليها الأضواء في مصر، وخلفت نتائج سلبية، يجد أنها متفقة على قاسم مشترك واحد، هو غياب الحنكة والخبرة وسوء تقدير التوقيت، بالتالي حدوث إخفاقات كلفت الدولة جملة من الخسائر.

الدليل حادث الطائرة الروسية التي سقطت فوق صحراء سيناء، واختفاء الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، والاتهامات الغربية بانتهاك الحريات، واتفاق الحدود مع السعودية بخصوص جزيرتي تيران وصنافير، وحتى أحكام القضاء التي يحسبها البعض متعسفة، كلها علامات كاشفة على قلة حيلة وخيبة المسؤولين والمعارضين في مصر.

تكرار أخطاء الفريق الأول ساهم في زيادة حدة المشكلات، وانتهازية الفريق الثاني (المعارض) أفضت إلى أضرار بالغة للدولة، بينما لو كان هناك وعي سياسي من كلا الفريقين، لكانت مسارات كثيرة قد تغيرت.

الواقع أن مصر بحاجة إلى رؤية جادة للتربية والتنشئة السياسية، لأن الخطوات التي اتخذت لتقديم فئة شبابية تتولى العمل السياسي، على غرار العملية القيصرية التي أجريت لولادة حزب “مستقبل وطن”، لا تخرج عن كونها خطوات مشوهة، وإعادة لإنتاج تجارب في عصر سابق، له رجاله ونخبته وزمانه وتحدياته، المختلفة كليا عما هو حاصل الآن، حيث لا تزال السياسة تدار على طريقة الهواة أو الحواة لا فرق، لأن النتيجة واحدة، هي استمرار التخبط، ليضمن البعض البقاء وسط الأضواء.

كاتب مصري

9