الموت العظيم مارد مناخي يهدد الأرض بالفناء

الدروس المستقاة من الموت العظيم لها تأثيرات كبيرة على مصير الاحتباس الحراري العالمي، وفي حال استمرار انبعاث الغازات الدفيئة فإن ارتفاع درجة حرارة المحيطات قد تزيد عن مستواها.
الاثنين 2018/12/10
حتى ينتبه قادة العالم للخطر القادم

العلماء يحذرون في دراساتهم المتوالية من خطر التلوث والاحتباس الحراري على الحياة على كوكب الأرض، لكنّ القادة السياسيين والشركات الكبرى وحتى الأفراد لا يأبهون لهذه المخاطر التي تزداد كل يوم. آخر دراسة تحذر من عودة الكارثة التي أدت إلى أكبر انقراض جماعي في التاريخ.

لندن- حذرت دراسة أميركية حديثة من أن الأرض مهددة مجددا بمواجهة ظاهرة الموت العظيم التي سببها الاحتباس الحراري العالمي الحاد وأدت إلى أكبر انقراض جماعي في التاريخ.

وتعرف حادثة الموت العظيم بانقراض العصر البرمي الثلاثي والتي وقعت قبل حوالي 252 مليون سنة، وتعتبر أكبر وأشد عملية انقراض شهدتها الأرض، حيث تسببت في القضاء على 90 بالمئة من الأنواع البحرية و70 بالمئة من الحيوانات الفقرية التي تعيش على الأرض.

وقد عمل هذا الحدث أيضا على تقليل حجم طبقة الأوزون بأن تصبح أقل سمكا، وهذا أعاق بدوره نمو النباتات وانتشارها، حتى وصفت هذه الحادثة بأنها أم كل الانقراضات الشاملة.

ونظرا لفقد الكثير من التنوع البيولوجي، استغرق الأمر وقتا أطول لعودة الحياة على الأرض مقارنة بحالات الانقراض الأخرى، وأصبحت كل أشكال الحياة على سطح الأرض تنحدر حاليا من الـ4 بالمئة المتبقين.

وعلى الرغم من سعي واهتمام العلماء والباحثين بمعرفة سبب تلك الكارثة، لكن لا تزال هناك بعض الأسرار التي يتعين حلها، وتشير الأبحاث المنشورة في مارس الماضي في دورية مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أن انقراض العصر البرمي وقع على مدى زمني سريع لم يتجاوز 60 مليون سنة.

وربط الباحثون الموت العظيم بسلسلة من الانفجارات البركانية الهائلة في سيبيريا ملأت الغلاف الجوي بغازات دفيئة، محذرين من أن الأرض يمكن أن تواجه مصيرا مماثلا إذا تحققت توقعات حدوث تغير مناخي جامح في العالم الحديث.

ننقذ الأرض حتى نعيش
ننقذ الأرض حتى نعيش

وتشير الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة العلوم إلى أنه مع ارتفاع الحرارة لم يعد بإمكان الماء الدافئ الحفاظ على ما يكفي من الأوكسجين لمعظم الكائنات البحرية للبقاء على قيد الحياة، ومن هنا تموت أعداد مهولة منها وهو ما يسبب الانقراض.

ومؤخرا قال باحثون إن ميكروبا نشر كمية هائلة من غاز الميثان في المجال الجوي للأرض، هو الذي فجر هذه الكارثة وقدموا هذه النظرية الافتراضية في مسعى لحل واحد من الألغاز العلمية القديمة المستعصية لمعرفة ما حدث في نهاية العصر البرمي التي شهدت أسوأ انقراض جماعي.

والميكروب المتهم هو “ميثانوسارسينا” الذي ينتمي إلى مملكة الكائنات ذات الخلية الواحدة، والذي يختلف تماما عن بكتيريا تعرف باسم أركيا، وهي بلا نواة مما يجعلها مختلفة عن تركيبات الخلية المعتادة.

وهناك أيضا نظريات أخرى إلى جانب الثورات البركانية في سيبيريا، تتعلق أيضا بالكميات الهائلة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري التي تؤدي إلى تغيير الغلاف الجوي للأرض، حيث يعتقد بعض الباحثين أن ميكروبا يسمى “الرزمية المثيلية” قذف كميات هائلة من غاز الميثان في الغلاف الجوي، مما أدى إلى تغيير المناخ والتسبب في العديد من المشكلات الطبيعية، ومنها الانفجارات البركانية في سيبيريا.

ويقول الباحثون إن الدروس المستقاة من الموت العظيم لها تأثيرات كبيرة على مصير الاحتباس الحراري العالمي، مشيرين إلى أنه في حال استمرار انبعاث الغازات الدفيئة دون رادع فإن ارتفاع درجة حرارة المحيطات قد يزيد بنحو 20 بالمئة عن المستوى الذي شهده أواخر العصر البرمي بحلول عام 2100.

وقال الباحث الرئيسي جاستن بن من جامعة واشنطن “تسلط هذه الدراسات الضوء على احتمال الانقراض الجماعي الناشئ عن آلية مشابهة في ظل تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية”.

وفي سلسلة من المحاكاة الحاسوبية، أثار الباحثون غازات دفيئة لمطابقة الظروف خلال الموت العظيم ما تسبب في ارتفاع درجات حرارة المحيطات بنحو 10 درجات مئوية، كما كشف النموذج تغيرات جذرية في المحيطات التي فقدت نحو 80 بالمئة من الأوكسجين.

ودرس الباحثون بيانات منشورة عن 61 نوعا من الكائنات البحرية الحديثة بما في ذلك القشريات والأسماك والمحار والمرجان وأسماك القرش لمعرفة مدى قدرتها على تحمل مثل هذه الظروف.

وأظهرت المحاكاة أن الأنواع الأكثر تضررا هي تلك الموجودة بعيدا عن المناطق المدارية والأكثر حساسية لفقدان الأوكسجين. وأكدت البيانات المأخوذة من سجل الأحفوريات، أن نمط انقراض مماثل شوهد خلال الموت العظيم.

وأوضح الباحثون أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إجراء تنبؤ آلي حول سبب الانقراض الذي يمكن اختباره بشكل مباشر مع السجل الأحفوري، ما سمح بالتنبؤ بأسباب الانقراض في المستقبل. وفي ذات السياق حذّر أستاذ في جامعة أوكسفورد من أن الاحترار العالمي يمكن أن يعيد إيقاظ الأمراض القديمة وحتى الموت العظيم.

وقال البروفيسور بيتر فرانكوبان، إنه من شأن ارتفاع درجات الحرارة في العالم أن يذيب الأغطية الجليدية التي تخزن البكتيريا المدفونة لفترة طويلة، والتي يمكن أن تنشر الأمراض وقد تسبب أوبئة عالمية جديدة.

الغازات الدفيئة تخنق الكوكب والبشر
الغازات الدفيئة تخنق الكوكب والبشر

وقال أستاذ التاريخ العالمي “ليست هناك أي فرصة على الإطلاق للنجاة، لأن المجتمع الدولي سيتخلّف عن أهداف اتفاقية باريس في إبقاء ارتفاع درجات الحرارة العالمية تحت 1.5 درجة مئوية”.

وأشار إلى أنه “إذا تجاوزنا هذه الدرجة، فالأمر لن يتعلق فقط باختفاء جزر المالديف أو زيادة الهجرة، بل حول ما قد يحدث عندما تتم إزالة الجليد الدائم وإطلاق العوامل البيولوجية التي دفنت لآلاف السنين”. ولأن البكتيريا ستطلق مرة أخرى في النظم البيئية للأرض، فسيكون هناك خطر كبير من إصابة سكان العالم بأمراض لا يمكن معالجتها.

ومن أهم هذه الأمراض، الطاعون، المعروف أيضا بالموت الأسود، والذي انتشر في العصور الوسطى، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية. ووفقا للبروفيسور فرانكوبان، فإن مثل هذا الاحتمال يجب أن يؤخذ على محمل الجد أكثر من ارتفاع مستويات البحار أو الجفاف، لأسباب ليس أقلها أن الموت الأسود قد أودى بحياة ما بين 75 و200 مليون شخص في أوروبا في القرن الرابع عشر.

ومع هذه التحذيرات هناك بصيص أمل في إنقاذ الأرض من المخاطر المحتملة من خلال التدابير لمواجهة التغير المناخي والتزام الدول والشركات بإنقاذ الأرض من الاحتراق.

20