الموت النبيل

في ظل هذه السيطرة المقيتة لـ”تجار الموت”، لا أحد بمقدوره اليوم التكلم، لا أحد يقدر على معارضة “بارونات” الملاكمة في العالم، فما دامت الأهداف النفعية “القذرة” تتحكم في قواعد اللعبة.
الأحد 2019/07/28
وفاة الملاكم الروسي ماكسيم داداشيف متأثرا بإصابته على مستوى المخ

منذ عقود طويلة، تحديدا خلال حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي أصبح لرياضة الملاكمة عشاق كثر، حيث كان ذلك البطل الأميركي محمد علي كلاي ملهما لكل الرياضيين وللجميع.

لقد ساهم بانتصاراته الكاسحة ومهاراته الرائعة وموهبته الفذة وقدرته العجيبة على هزم خصومه في أن يضع رياضة الملاكمة المحترفة ضمن أكثر الرياضات التي تستقطب المتابعين وتدرّ من الأرباح المالية الملايين.

مرت السنوات ولم تختلف الصورة، جاء جيل آخر من الملاكمين الأقوياء والمتمرسين، فبرز مايك تايسون وتألق إيفاندر هوليفيلد خلال حقبة التسعينات، وكان الملايين من المولعين ينتظرون الساعات الطوال لمتابعة أطوار نزال مشوّق وقوي.

كان المشهد أشبه بساحة وغى، كان النزال أشبه بمعركة حامية الوطيس، مشاهد الدماء التي تسيل من الأنف والوجه، أصبحت منظرا مألوفا كلما اشتد الصراع وحمي “القتال”.

أما الفائز فإنه يتوج باللقب ويغنم الملايين، حينها لا تهم الدماء بل تصبح الإصابات رمزا لقوة الملاكم وقدرته على التحمل ومواصلة النزال إلى النهاية، الأهم من ذلك أي مبلغ سيغنم الفائز وأي مناب سيناله المنهزم؟

لكن لهذه الرياضة وجهها الخفي، هو وجه قبيح بلا شك، وجه يفتقد النبل في رياضة الفن النبيل، هي هكذا سميت الملاكمة عند نشأتها، فالنبل فيها مستمد أساسا من صفات الفائزين الذين يتوجب عليهم التحلي بالنبل والتعفّف عن التشفي في المنهزمين.

لقد تخلت الملاكمة في الكثير من تفاصيلها وأسسها الحديثة عن كل صفاتها النبيلة، بل أصبحت أشبه “بكازينو” يتهافت عليه المتراهنون والمقامرون لدفع أموال طائلة من أجل متعة المراهنة على فوز أحد طرفي النزال.

لقد انقسمت الملاكمة إلى شطرين، شطر حافظ على الروح الأولمبية السامية التي وجدت وتطورت لأجلها، وشطر آخر غلافه الربح المادي فقط لا غير، وشعاره الأول الجشع وجمع أكبر حصاد من المرابيح، فغدا الملاكم حتى وإن كان متوجا هو الضحية..

هو يعتقد أنه الفائز الأكبر، ولكن في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون في بعض الحالات مجرد ورقة للتسلية وتحقيق عائدات مالية ضخمة للغاية، هو يعتقد أنه الغانم الوحيد بعد أن يجود عليه منظمو النزالات الكبرى بنزر قليل من المرابيح، فيذهب مزهوا بنفسه غير واع بما قد ينتظره مستقبلا أو في النزال القادم.

وفي الحقيقة ثمة عدد كبير من الملاكمين الذين لم يستوعبوا بعد من الدروس السابقة، بل هم ملاكمون مغامرون، هدفهم الرئيسي كسب بعض الملايين مهما كلفهم ذلك، هم لا يتجرأون أبدا على رفع عصا العصيان في وجه منظمي النزالات الأثرياء وأصحاب البطون المنتفخة. هؤلاء الملاكمون لم يدركوا حقا أنهم بمثابة الجنود الذين يدفع بهم إلى “المحرقة” من أجل زيادة غلة المنظمين الذين لا يفكرون في أي شيء سوى مضاعفة أرباحهم حتى وإن كان ذلك على حساب سلامة الملاكمين.

هؤلاء الملاكمون يبدو أنهم لم يقرأوا كتب التاريخ، ولم يستوعبوا دروس الماضي، فكم من ملاكم سابق بات عاجزا في الكبر بسبب تأثره بالضربات القوية التي تلقاها عندما كان شابا يافعا يرتع في حلبات الملاكمة.

ألم يكن درس محمد علي كلاي مفيدا لهم؟ ألم ينته بالملاكم الأسطورة بمعاناة طويلة في شيخوخته بسبب مرض “الباركينسون” الذي داهمه من تبعات الضربات التي تلقاها على رأسه عندما كان ملاكما يقرأ له ألف حساب؟

قطعا لم يستوعب ملاكمو اليوم كل هذه الدروس، لم يفهموا بعد أن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه منظمو سهرات الملاكمة الكبرى هو صحة الملاكمين.

بالأمس القريب، وتحديدا خلال الأسبوع الماضي عاشت الملاكمة العالمية على وقع خبرين مؤلمين، لكن لا أحد اهتم جديا بالأمر.

الخبر الأول يتعلق بوفاة الملاكم الروسي والبطل العالمي ماكسيم داداشيف الذي وافته المنية متأثرا بإصابته على مستوى المخ بسبب الضربات التي تلقاها خلال مباراته ضد خصمه البورتوريكي سابريل ماتياس.

وقبل أن يستفيق الجميع من صدمة هذا الحدث الحزين، حلت الفاجعة من جديد في عالم الملاكمة المحترفة بعد أن تم الإعلان عن وفاة الملاكم الأرجنتيني هوغو ألفريدو سانتيلان الذي عرف مصير داداشيف إثر نزال عنيف جمعه بملاكم من الأوروغواي.

لكن لا أحد خرج عن صمته، لا أحد أعلن معارضته خروج الملاكمة عن مسارها وحيادها عن أهدافها، هي لم تعد نبيلة، بل أصبح الموت فيها وكأنه مسألة مألوفة.

هذه الرياضة التي قدمت للعالم على امتداد سنوات طويلة ملاكمين بارعين وأشداء، وشدت الاهتمام لفترات طويلة للغاية، ربما آن لها أن تتغير، بل يجب أن تتغير، ينبغي أن تتماشى مع المبادئ السامية للرياضية.

لكن في ظل هذه السيطرة المقيتة لـ”تجار الموت”، لا أحد بمقدوره اليوم التكلم، لا أحد يقدر على معارضة “بارونات” الملاكمة في العالم، فما دامت الأهداف النفعية “القذرة” تتحكم في قواعد اللعبة، وما دامت الدماء تدر الأموال، وما دام وجود ضحايا أصبح مجرد رقم لا غير، فإن القواعد لن تتغير.

فقط هو الضمير الرياضي العالمي من يقدر على تعبيد طريق التغيير، فمعارضة مثل هذه النزالات الشرسة، والبحث عن طرق جديدة لتحوير قوانين الملاكمة المحترفة وتحجيم دور المنظمين الذي لا همّ لهم سوى مواصلة حصد الأموال من على رؤوس الملاكمين “المساكين” هو الضامن الوحيد كي تعود الملاكمة نبيلة مثلما كانت في بداياتها.

أما الصمت فهو تشريع متواصل للموت، بل هو ترحيب واحتفاء بالموت النبيل.

23