الموت صمتا

الاثنين 2015/02/09

صديقي وزميل الدراسة القديم صار قاضيا، ما أسعدني، أمسكت بالهاتف وتحدثت معه لوقت طويل استعدنا ذكريات الطفولة والصبا وسنوات العمر، وأحلام البراءة في العيش في دولة كبيرة قوية بلا ظلم، وشممت في كلامه رائحة اشتهاء لحقوق الإنسان وخاصة المرأة التي كان يراها دائما الفئة الأكثر استضعافا واحتياجا إلى الرعاية والاهتمام وتطرقنا إلى موضوعات شتى.

وبعدها سألته عن والدته الجميلة، فقد كانت امرأة من طراز خاص تعشق الحياة، تعتز بجمالها وتعتني به، وبداخلها حنان يكفي الكرة الأرضية بكاملها، صدمني صديقي العزيز حين قال “ادعي لها بالرحمة”، واستطرد بذكر تفاصيل شلت تفكيري، فوالدته الجميلة ماتت منتحرة، والأكثر قسوة أنها انتحرت حرقا.

لجمت الصدمة لساني حتى أنه سألني، هل تسمعينني؟ عدة مرات حتى استعدت وعيي واستطعت السيطرة على حنجرتي، وتساءلت كيف حدث هذا لامرأة من هذا النوع شديد العشق للحياة والمرح؟ وكيف عجزتم عن إنقاذها؟

بأسى شديد قال: لم تصرخ أو تستنجد بأحد، فقط كانت تذوب حتى تفحمت تماما وحرمتني من حضن الوداع الأخير لأم أعطت لبيتها وأبنائها وزوجها الكثير، أعطتهم الحياة بحق.

ولكن والدي ظلمها كثيرا خاصة في أيامها الأخيرة، جرحها أمامنا وهزم أنوثتها، أحرقها آلاف المرات، وحين ماتت لم يتذكر كل ما قدمته من أجله وأجلنا، بل تزوج قبل مرور أربعين يوما على وفاتها.

أنهيت الحديث وأنا أسأل نفسي، لماذا تختار هذه المرأة تلك الميتة البشعة وكيف لا تصرخ، وحتى مصارعة الروح للجسد وخروجها كيف تحملتها وحدها دون إعلان عن حجم الألم الذي تعانيه، فأنا أعلم تمام العلم أن البعض قد يهدد بالانتحار أو ينتحر حقا ولكن مجرد وصول النيران إلى جسده أو معاناته لآلام الموت يصرخ ليس طلبا للنجدة فهو لا يريدها ولكن من شدة الألم، فكيف بهذه الأم لا تصرخ ولا تشعر بالألم، أم كانت آلامها تفوق ذلك بكثير.

وكيف يأخذ المرء قرارا بإنهاء حياة لا يملكها وإنما أمرها بيد الله تعالى، كيف يجرؤ على لملمة أيام عمره وإعلان الرحيل بقرار فردي، وهل المنتحرون مرضى نفسيين حقا، ضاقوا بالحياة الدنيا؟

يشهد العالم 800 ألف حالة انتحار سنويا، 90 ٪ من أصحابها مرضى نفسيين وعلى الرغم من أن الإحصائيات والدراسات تشير إلى أن الرجال أكثر انتحارا، إلا أن محاولات الانتحار التي تمارسها النساء أكثر بكثير والعوامل النفسية فيها تسبق العوامل الاجتماعية كأهم أسباب للانتحار.

ولكن الحياة هي الفرصة التي لا ينبغي إضاعتها لأي سبب أو من أجل إنسان. الحياة تستحق أن نحياها لا أن ننهيها من أجل من لا يبكوننا ولا يتذكروننا إلا في لحظات عابرة بكلمة “الله يرحمهم”.

21