الموت لا يتصالح مع أحد

من العار على الناجين من الموت عدم مراجعة حماقات العمر الماضي، أو التفريط في فرص الحياة الجديدة الممنوحة بسخاء.
الاثنين 2018/08/20
الحياة جميلة وتستحق أن نحياها

أفاقت صديقتي من أثر خدر جراحة دقيقة التهمت جزءا غاليا من جسدها، وحرمتها من الإنجاب بعد أن تم استئصال وعاء الحمل بأكمله.

كانت حالتها بين الموت والحياة أقرب للموت، تجاهلت مرضها وتحاملت على نفسها بزعم عدم وجود متسع من الوقت للذهاب للطبيب والمتابعة الدقيقة لحالة تتدهور وظروف صحية لا تعترف بظروف اجتماعية ومشغوليات من السهل جدا تأجيلها حفاظا على حق العيش الآمن.

بمجرد أن فتحت عينيها وأفاقت قليلا من تأثير التخدير “البنج” تبسمت جارة مسنة، دعما لها، قائلة: هكذا تغلبت على الموت يا عزيزتي، أو تصالح معك الموت، فردت عليها بحسم: الموت لا يتصالح مع أحد ولا يترك من جاء دوره، حتى رغبتي في الحياة وحبها ليسا سببين كافيين للتغلب على الموت، أكذوبة أن يقهر أحدهم الموت أو يصارعه لم تعد مستساغة، الموت يصرعنا فجأة ويبغتنا دون إرادة، لكنني رأيته بعيني، وهذا ما أستطيع وصفه بدقة أو الحديث عنه.

فلسفية النبرة الهادئة لكلام صديقتي ملأتني باليقين من أن الحياة قد تمنحنا فرصا جديدة لا يمكن التفريط بها، وتلقننا أحيانا بعض الدروس بلا معلم، احتراما لطوق النجاة الذي أرسله لنا القدر كهدية تعويضية عن عمر مضى بأخطائه وزلاته، وأن من يتعرض لموقف كهذا قد يرى فيه الموت يقترب منه، يسكن بالجوار متربصا، يطل من بين ظلوعه مخايلا، مناديا كعروس البحر، يقف على حافة سريره، لا يجوز له البقاء على منهجية التفكير القديم، وعليه إعادة النظر لفرص الحياة بعين مغايرة، وتعديل سلوكه في العمر القادم تفاديا للوقوع في نفس الأخطاء لو وضع في مواقف مشابهة لما مر به من قبل.

أعتقد أنه بعد أن يملأ الموت قلب وعين وأذن إنسان ويشغل كيانه، فلا يجد منه فكاكا فيرخي أعصابه ويستسلم له ويترك كل شيء يمر بسلام دون مقاومة بعد أن يتيقن تماما أنه لا فرار من الموت إلا للموت ذاته، ثم بعد ذلك يلوذ الأخير بالفرار، ويترك الإنسان كي يفترش سنواته القادمة على قارعة العمر ليبدأ مرحلة جديدة بالتفكير في الاتجاه المضاد ولكن بالمسار التصحيحي لأفعاله.

فمن العار على الناجين من الموت عدم مراجعة حماقات العمر الماضي، أو التفريط في فرص الحياة الجديدة الممنوحة بسخاء.

غيرت صديقتي مسار حياتها بالكامل وأدارت دفة الأمور عكس المألوف لها من طبيعة شخصيتها الهادئة الرصينة المستكينة، أضافت قليلا من المتعة لتفاصيلها اليومية، فأشرقت أكثر عن ذي قبل، بدأت في ممارسة الرياضة وأنجزت أحلاما كثيرة كادت أن تنساها في زحام الحياة المملة التي كانت تقنع نفسها أنها الأفضل لها، وليس من اللائق مطلقا العبث في وتيرتها.

حتى علاقتها بابنها الوحيد وزوجها وصديقاتها وجيرانها تغيرت تماما، أدركت أن الموت الذي عفى عنها تلك المرة حتما سيزورها مرة أخرى، ربما لا تعلم متى ستكون زيارته، قريبة، بعيدة، مباغتة، لكنها حتمية.

فمن يدخره الموت اليوم من المؤكد أنه سيعاود المجيء إليه، ربما غدا أو بعد غد، لكنه لن يلغي زيارته المرة القادمة.

أصبحت أكثر تفاعلا في محيطها الأسري والعائلي، تتزاور كثيرا، تعطي بسخاء، تحب بجنون وتكره بقطيعة، صارت مشاعرها كموج البحر، دافقة، حنونة مرة وكاسرة، باترة مرات.

لا تغمض عينيها وابنها حزين، لا تطفئ أنوار المصابيح قبل أن تطمئن لضحكته، وفراغ مآقيه من دموع لم تكن تكترث إن كانت تسكنها أم لا، استخدمت رصيد إجازات العمل المجمد منذ سنوات، وأضافت رصيدا جديدا أكثر بهجة في قلوب من حولها.

ونحن أيضا يتسامح معنا الموت كل صباح، حين تشرق شمس جديدة ومازالت قلوبنا يسكنها النبض، تمنحنا الحياة فرصة مع كل إشراقة جديدة أن نجدد العقد القديم الذي أبرمناه مع الحياة، ليس بالضرورة أن نمر بتجربة مرض قاسية أو فقد عزيز لندرك كم هي جميلة الحياة وتستحق أن نحياها.

21