الموت لا يوجع الموتى

السبت 2016/07/09

عندما مرت الحرب علينا ذات مرة، كنا نلتف على أجسادنا كالقطط المذعورة أنا وشقيقتي ونخبئ وجهينا في حمى والدتي خوفا من فتك ظلال الموت المرسومة على جدران المنزل، تلك التي كانت تلوّح لنا بأذرعها مثل حبال المشنقة التي تلوّح للمحكوم عليه بالإعدام، بينما كانت شظايا القصف العشوائي تنشد معزوفتها المرعبة على حبل السياج الفاصل بين الموت في الشارع والحياة داخل المنزل.

وحين تمكن اليأس من آمالنا، صرت أنصت لدعاء أمي في صلاتها في الصباحات الملغمة بالغارات وهي ترجو الله إذا ما حدثت الفاجعة، أن تكون أول من يفارق الحياة لأنها لا تستطيع تحمّل فكرة أن تفقد أحد أبنائها أو بناتها فيوفرها القدر لتجرّع سم الفراق، السمّ الذي يخلّد جسد الأمهات في الحياة ويقتل أرواحهن ببطء، السم الذي تشير إليه اللغة ببلادة، فتعقد له تعبيرا ساذجا من كلمتين “أم الشهيد”.

تذكرت هذا المشهد قبل أيام وأنا أقرأ قصة الأم العراقية التي كانت تتفحص الجثث المتفحّمة، بعد الانفجار الإرهابي في منطقة الكرادة وسط بغداد، وهي تبحث عن ولدها علها تعثر عليه من رائحته التي تعرفها جيدا والتي كانت ستبقى، بحسب اعتقادها، على الرغم من تفحّم الجثة!

أما والدة “محمد وأكرم” فلم تتحمل خبر استشهادهما سوى ساعات قليلة فارقت الحياة بعدها، لأنها رفضت أن تتجرع سمّ الفراق الذي كان سيقتلها ببطء بدءا من اللحظة التي تغيّر فيها اسمها وأصبحت “أم الشهداء”.

أمهات كثيرات وقفن في حدود هذا المشهد المعفر بدخان الفاجعة ينتظرن دورهن في الحصول على اللقب المقيت، وأمهات مررن بقلب مكسور ومشاعر متبلدة على مقربة من الشارع الذي أصبح مهجورا وأمهات تحجرت ملامحهن خلف شاشات التلفزيون وهن يطالعن المشهد الغريب، ويتحسسن ملامح صغارهن ليتأكدن من أن دورهن لم يحن بعد لاعتلاء خشبة مسرح الجحيم ولعب دور مهم فيه، لسبب لم يكن واضحا.

هذه المشاهد خارقة للعادة ولكل قوانين المنطق، إذا كان هناك فعلا منطق ينظم عمل هذا الكون المجنون. المئات من الشهداء والجرحى معظمهم من الشباب الذين خرجوا في نزهة ليلية للاستمتاع بمساء رمضاني وتفقد أبواب العيد، لكنهم لم يعودوا من النزهة التي عبّدت لهم طريقا سريعة إلى السماء بدلا عن الطريق الإسفلتي الذي يأخذهم إلى بيوتهم الآمنة، حيث تنتظرهم أمهاتهم قبل أن يتحولن إلى أمهات شهداء.

موجع هذا الموت كثيرا، فموت على هذه الشاكلة -كما سجلته إحدى قصائد محمود درويش- لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء.

شاب في مقتبل العمر، كان نشر على صفحته في فيسبوك العام الماضي يخبر أصدقاءه بنجاته من انفجار مروّع ضرب منطقة الكرادة ذاتها، “نعم، لم أمت، كانت تفصلني خطوات عن الموت!”، لكنه رحل في هذا الانفجار وبقيت صفحته في فيسبوك خالية إلا من دموع أصدقائه، وربما مازالت أمه تتجرع السم منذ أيام وتفشل في اللحاق به.

صعد دخان الجثث المتفحمة واستنشقته السماء، لكن الغيوم الحبلى لم تمطر دموعا، فالحزن أكبر من أن يعتق في حضن غيمة ذاهلة. الحزن لا يليق بالأحياء-الموتى. هذا ما كان يفكر فيه الشاعر العراقي قاسم سعودي عندما كتب في صفحته على فيسبوك “لم أحزن على تفجيرات الكرادة.. أنا ميت معهم”.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21