الموت والموت التاريخي

ربما يشعر البعض، أن وقائع الموت كثُرت في زمن الفيسبوك، غير أن هذا شعورٌ خاطئ. فحجم الموت لا يتغير، لأن الذي تغير في الحقيقة، من خلال وسيلة الاتصال الاجتماعي الفورية، هو قُطر الدائرة التي تُرى فيها أنباء فقد من تعرفهم.
الأحد 2020/08/09
مذاق الموت ازداد مرارة

كأنما قضية الموت، أصبحت هي المهيمنة على عقولنا وعواطفنا، من خلال وسائل التواصل. ففي كل يوم، هناك وجبة موت، نطالع أسماءها، تُذكر الكبار بدنو الأجل، وتستحث الفئات العمرية الشابة، على تسجيل مرثياتهم، للكبار الذين رحلوا وانطفأت قناديلهم، كالآباء والأمهات. فلم نكن سنأخذ علماً بجزء من أي وجبة موت، أو بمعظمها، لو أن متابعتنا لوقائع الحياة، ظلت دون فيسبوك، واكتفى الواحد منا، في موضعه، بما يسمع. ثم إن الإنسان، أينما أوصلته الدروب، يكون قد فارق أناساً أحباء، ثم أصبحت محبتهم خارج التداول، بحكم الافتراق أو التباعد المكاني فضلاً عن شواغل الحياة. لكن فيسبوك، في حال الموت، يدعوك فجأة إلى التفاعل مع نبأ موت عزيز، انقطعت أسباب التواصل معه. عندئذ، توفر لك وسيلة التواصل، حضوراً في مجلس عزاء افتراضي، وأن تسجل ما تريد من كلمات المواساة والتودد والحنو والاستذكار. وربما يدعوك إلى الاستزادة من العلم بالمزيد من عبارات التعازي والدعاء!

 بخلاف ذلك، ربما يشعر البعض، أن وقائع الموت كثُرت في زمن الفيسبوك، غير أن هذا شعورٌ خاطئ. فحجم الموت لا يتغير، لأن الذي تغير في الحقيقة، من خلال وسيلة الاتصال الاجتماعي الفورية، هو قُطر الدائرة التي تُرى فيها أنباء فقد من تعرفهم، إذ أصبحت هذه الدائرة، ذات سعة كونية شاملة، متخطية لكل أطوال المسافات!

بخلاف ذلك فقد تغيّر مذاق الموت في هذه المرحلة، فأصبح موتاً ذا أبعاد أخرى على مستوى الحياة. كان الناس يلوذون إلى الصمت في حضرة الموت. اليوم، وبسبب المحن التي وقعت في العديد من المجتمعات والبلدان العربية، ازداد مذاق الموت مرارة، ولم يعد موت أشخاص، يُكتفى القول في حضرته إنا لله وإنا إليه راجعون. فقد نشر إحساساً بالموت التاريخي، بل بذبول وموت المجتمع وفقدان الراحة في الحياة، ناهيك عن السعادة.

وفي الحقيقة، كان الإحساس بالذبول وبفشل التطور في البُنى السياسية والثقافية والاجتماعية، قد تفشى قبل سنوات من ظهور وسائل التواصل، أو منذ سُمع تعبير “الزمن الجميل”. وكأن الدنيا العربية، بدل أن تتقدم؛ سجلت انتكاسة تاريخية، جعلت الناس تتأسى على أيام الخمسينات مثلاً، وما كان فيها من السينما والموسيقى والطرب، وجودة التعليم المنتوج الثقافي، ونظافة الشوارع وكياسة العلاقات الاجتماعية. معنى ذلك أن السلطات التي تحكم، باتت تضرب اليوم، كل التمنيات الاجتماعية في مقتل، وتُفاقم حال التشتت النفسي، وأصبح الطريق إلى الابتذال والزُلفى ثم إلى الفساد مفتوحاً. وهذا الذي جعل لوجبات الموت اليومية، التي يعرضها فيسبوك، وقعاً يعادل الموت التاريخي!

24