الموت وتلك التفاصيل التافهة الأخرى

الأحد 2015/01/25

لمّا أفلح بعد في تدفئة بيتي، والشتاء في غرناطة بارد. لذا يلتصق شقيقي الأكبر بالموقد مساءً، يُعنى بألاّ تخبو النيران فيه، وينتقي من جمرها ما يناسب نارجيلته، بينما تصدح أم كلثوم بأغنية مخدّرة ما. لجأ إلينا شقيقي الأكبر من خراب الأرجنتين. فيها قضينا طفولتنا، ثم كان أن قرّر الوالد أنه اكتفى من الهجرة وعاد – هو – إلى مسقط رأسه القلموني، وأخذنا بالطبع معه، كمحصّلة أخرى من جهد بذله في ذلك المغترب.

لم يحتمل شقيقي الأكبر التبدّل الذي فُرض علينا، وعاد بدوره إلى مسقط رأسه ما أن حصل على جواز سفر وتكلفة الرحلة، هاربًا، بالمناسبة، من خدمة علم تضرّ ولا تنفع.

ظروف موضوعية شتى – يسميها البعض “نصيبًا” أو “إرادة الخالق”، وهي محض ظروف محدّدة تتوالى على حياة أي منا – أودت به إلى ضيعة تكاد لا تظهر في الخرائط، على سفح جبال الأنديز، قريبًا من حدود تشيلي.قضى هناك زهرة العمر. والآن، وقد قارب الستين، لجأ إلينا من الخراب المستشري في تلك البلاد.

كان الطقس باردًا بحق ليلتها. جهزت لي وله كأسين من النبيذ (لأنني لا أستسيغ أم كلثوم، أو غيرها، بدونه) وجلست قرب الموقد.

ما في البيت سوانا، وما من موضوع يطفو على السطح.

- لا تسْحَب كما يجب.

عنى النارجيلة، التي لم أعرها اهتمامي أبدًا.

أزال الجمرة شبه المطفأة من الرأس الفخاري المغلّف بورق الألمنيوم وبحث في الموقد عن جمرة أخرى.

“وتزعل لمّا أؤلّك يوم…”

كانت تشتكي أم كلثوم ممن ظلمها.

خطر لي أن أسأله:

- كيف تخلّصت من مشاكل الطلاق؟

تأكد من أن النارجيلة باتت “تسحب” كما يجب وأجابني:

- لمّا أطلّق بعد.

تركت للصمت ولأم كلثوم، حيزًا من الزمن عساني أجد ما أتابع به الحوار، لكنني لم أجد ما أقوله.

سألني:

- أتعرف أن والدك هو الذي أجبرني على الزواج؟

- كيف؟ سألته بدوري.

- عندما جاء إلى بوينس أيرس، بعد وفاة عمّك عبدالسلام. نزلت من الضيعة لأنني أقرب الناس إلى المرحوم.. ثم وصل الوالد.. أخذت معي سوسانا لأن المعاملات في حالة الوفاة تحتاج إلى وقت.. ثم إن والدك جاء بنية تصفية كل شيء والعودة إلى سوريا.

كنت في الداخل عندما لمحت من خلال زجاج الواجهة امرأة تطيّر العقل فهرعت إلى الباب لألقي نظرة

سحب نفسين من النارجيلة وتابع:

- لما قدمت له سوسانا لم يقل شيئًا، لكن في صباح اليوم التالي دخلت إليه في المطبخ، كان يشرب المتة، فألقيت عليه تحية الصباح. لم يردّ التحية، بل سألني: “كيف تتزوج دون أن تعلمنا؟”، فأوضحت له أنني لم أتزوج. أبدى استياءه دون أن ينبس، كان يكفي أن ترى وجهه لتفهم ذلك.. حاولت أن أفهمه أننا لا نرى فرقًا..

عاد يشهق عاضًا بشدّة على فوهة (البربيش) الخشبية فتوهج أسفل الجمرة. ثم تابع:

- المهم.. كان يعبّر عن استيائه كل يوم فمللنا ورحنا وتزوجنا.

انشغل في إمداد الموقد بحطب جديد. أردف عندما انتهى وعاد إلى سابق وضعه:

- أتعرف؟ مرة كان واقفًا عند باب المحلّ، محل عمّك، قبل أن نصفّيه.. لأننا اضطررنا إلى مداومة العمل فيه.. المهم، أنا كنت في الداخل عندما لمحت من خلال زجاج الواجهة امرأة تطيّر العقل فهرعت إلى الباب لألقي نظرة على قفاها. كانت تلبس بنطالاً وكأنها لا تلبس شيئًا. “سبحان الخالق” همست معجبًا، فرمقني والدك شزرًا وسألني:

- ماذا عندها لا تجده في زوجتك؟

أجبته:

- كيف “ماذا عندها”؟.. ما شفت تكوينها الرائع؟!

أشاح بوجهه عني وقال:

- عليك أن تكوّن زوجتك كما تشاء، فلديها كل ما عند هذه.

صمت شقيقي الأكبر بينما اعترت ملامحي بسمة إعجاب. أكمل:

- لا أعرف لماذا، لكنني تذكرت أمّنا.. وعدت إلى داخل المحل.

شعرت ببرودة بالغة في قدميّ فرفعتهما قريبًا من نار الموقد بعد أن ملأت الكأسين.

ما كنت أسمع شكوى أم كلثوم، وأظنه كان ساهمًا عنها عندما قال:

- أتعرف أنه ندم؟

- ندم! لأي شيء؟

- لعودته إلى سوريا.

ما كنت أعرف، واستهجنت الأمر، لأنني، شخصيًا متعلق بسوريا وبمن أحب فيها.

لفّ (بربيش) النارجيلة حولها ورشف من كأسه قبل أن يقوم قائلاً:

- قال لي يومًا: إنه لم يجد شيئًا مما تمناه من عودته. لا دين ولا وطن.

انسحب مضيفًا:

- يالله.. تصبح على خير.

- وأنت من أهله.

أجبته بصورة آلية وأنا مستغرق فيما قاله. مكثت برهة أخرى جامدًا إلى أن أفاقني البرد وتيبّس أطرافي، ففكرت أن الفراش ربما كان أرحم.

ثم كان السهاد.

غرناطة (أسبانيا)

11