الموت يحصد الأخيار في تونس

يوم السبت الموافق للتاسع عشر من هذا الشهر، فارقت الحياة بعد صراع طويل مع المرض، المثقفة والمناضلة مية الجريبي التي عرفت بدماثة أخلاقها، وبروحها الإنسانية العالية، وباعتدالها.
الثلاثاء 2018/05/22
وداعا

خلال السبع سنوات الماضية، حصد الموت أفضل من أنجبت النخبة المثقفة في تونس. وجميع هؤلاء كانوا أعداء شرسين للفكر الأصولي وللتزمّت والانغلاق، ومدافعين متحمسين عن التقدم والرقي والحداثة والقيم الإنسانية النبيلة.

أول هؤلاء كان شكري بلعيد عاشق شعراء التمرد والثورة أمثال محمود درويش وبدر شاكر السياب، وناظم حكمت، والذي اغتاله أصوليون في السادس من شهر فبراير 2013 بسبب معاركه الجريئة والحازمة ضدهم، وضد أطروحاتهم ومطامحهم. بعده بأشهر قليلة، وتحديدا في الخامس والعشرين من شهر يوليو من العام المذكور، قتل برصاص الأصوليين محمد البراهمي المفتون بأفكار عصمت سيف الدولة.

وفي نفس تلك السنة المشؤومة، سنة 2013، توفي في باريس المفكر التونسي الكبير العفيف الأخضر الذي أمضى الشطر الأعظم من حياته في المنفى، مناضلا على جبهات مختلفة. وكان مساندا لكل الحركات التقدمية والثورية لا في العالم العربي فحسب، بل في العالم بأسره. وبسبب أطروحاته الجريئة المعادية للفكر الأصولي، ومبادئه التنويرية. وهذا ما عكسته كتاباته الأخيرة مثل “من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ”، و”رسائل تونسية”.

وفي السادس من شهر نوفمبر 2014، توفي في باريس بنفس المرض الخبيث الذي قتل الأخضر المفكر والكاتب التونسي عبدالوهاب المدب الذي تمكن من أن يقتلع لنفسه مكانة بارزة في المشهد الثقافي والفكري الفرنسي بسبب أعماله التي دافع فيها عن إسلام الأنوار. كما أنه عرّف الفرنسيين بكبار المتصوفة أمثال محي الدين بن عربي والنفري والبسطامي.

وعلى مدى ثلاثة عقود، ظل الشاعر أولاد أحمد يحلم بثورة عارمة تنهي الظلم والفساد. وعن ذلك كتب العديد من القصائد الجريئة التي أكسبته شهرة واسعة، لم يكتسبها أي شاعر منذ أبوالقاسم الشابي. ولما اندلعت الانتفاضة التي أطاحت بنظام بن علي في الـ14 من يناير 2011، أطلق ما سماه بـ”القيادة الشعرية للثورة” محولا إياها إلى منبر للتصدي للأفكار الأصولية ولمدبري الثورات المضادة. وظل مواظبا على ذلك حتى وهو على فراش المرض الذي فتك به في 6 أبريل 2016.

وعقب مرور عام بالضبط على رحيل الشاعر أولاد أحمد، اختطف الموت أيقونة المسرح التونسي رجاء بن عمار التي عرفت خلال مسيرتها بالإتقان في التمثيل والإخراج، وبميلها لمسرح يعكس هموم المجتمع وقضاياه الحارقة.

وفي أول شهر مايو من العام الماضي، توفي المفكر والأكاديمي المرموق محمد الطالبي الذي كان من مؤسسي الجامعة التونسية والذي تميز باستعراض الفترات المشرقة في التاريخ العربي الإسلامي في مجمل مؤلفاته المتنوعة والكثيرة، مخصصا أطروحته للدولة الأغلبية في القيروان التي عرفت خلالها البلاد التونسية تقدما حضاريا وثقافيا فريدا من نوعه. وبسبب تصديه للتزمت والانغلاق، شن الأصوليون التونسيون هجومات عنيفة على الطالبي بلغت حد اتهامه بـ”الكفر والزندقة” .

وفي نهاية العام الماضي، رحل عن الدنيا المخرج السينمائي عمار الخليفي الذي كان أول من أخرج فيلم طويل عن النضال الوطني ضد الاستعمار. وبفضله تم تكريمه من قبل الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.

وخلال الأشهر الماضية غيّب الموت السينمائي الناصر الوحيشي الذي عالج في مجمل أفلامه التحولات في الأرياف التونسية، وتحديدا أرياف الجنوب، بعد أن اكتسحتها الوسائل السمعية والبصرية الحديثة. وفي شهر أبريل الماضي توفي المناضل اليساري التقدمي صالح الزغيدي الذي كان من أوائل الذين سجنوا بسبب أفكراهم وآرائهم المناهضة للحزب الواحد في فترة نظام بورقيبة.

ويوم السبت الموافق للتاسع عشر من هذا الشهر، فارقت الحياة بعد صراع طويل مع المرض، المثقفة والمناضلة مية الجريبي التي عرفت بدماثة أخلاقها، وبروحها الإنسانية العالية، وباعتدالها، مجسدة بذلك شخصية المرأة التونسية المتحدية والمتمردة والمحبة للحرية.

14