الموت يغيب رضوى عاشور صاحبة "ثلاثية غرناطة"

الثلاثاء 2014/12/02
رضوى عاشور مبدعة أصيلة ورحيلها خسارة للأدب والاجتماع

ودعت مصر رضوى عاشور الأديبة والروائية التي غيبها الموت أول أمس الأحد، بعد صراع مع المرض، عن عمر يناهز 68 عاما، تاركة وراءها الكثير من الأعمال الأدبية الخالدة، والكثير من الأدباء والمثقفين الذين تعلموا على يديها، وبصمة حزن في سائر الأوســــاط الثقافية.

ولدت رضوى عاشور في القاهرة عام 1946، ودرست في كلية الآداب جامعة القاهرة، وحصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن.

ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث حصلت هناك على شهادة الدكتوراه في الأدب الأفريقي الأميركي، عملت بالتدريس في كلية الآداب بجامعة عين شمس، كما عملت أستاذا زائرا في جامعات عربية وأوروبية، وهي زوجة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي.

أصدرت عاشور العديد من الأعمال النقدية مثل “الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفانى” في 1977، “التابع ينهض: الرواية في غرب أفريقيا” في 1980، “في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة” في 2001، و”الحداثة الممكنة: الشدياق والساق على الساق: الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث” في 2009.

وفي مجال القصة والرواية، صدر لها العديد من الأعمال الهامة كان أولها “أيام طالبة مصرية في أميركا” عام 1983، تلتها روايات “حجر دافئ”، “خديجة وسوسن وسراج”، والمجموعة القصصية “رأيت النخل”، ثم أصدرت عملها الأشهر “ثلاثية غرناطة”، والمقسم إلى ثلاثة أجزاء “غرناطة”، “مريمة”، “الرحيل”، فضلا عن رواية “أطياف”، و”قطعة من أوروبا”، و”الطنطورية”، وسيرتها الذاتية التي صدرت في الآونة الأخيرة بعنوان “أثقل من رضوى”.

حصلت الراحلة رضوى عاشور على عدد من الجوائز الهامة، ففي يناير 1995 نالت جائزة أفضل كتاب لعام 1994 عن الجزء الأول من” ثلاثية غرناطة”، على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفي نوفمبر 1995 نالت الجائزة الأولى من المعرض الأول لكتاب المرأة العربية عن “ثلاثية غرناطة”.

أصدرت عاشور العديد من الأعمال النقدية مثل “الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفانى” في 1977

كما نالت جائزة قسطنطين كفافيس الدولية للأدب في اليونان عام 2007، وجائزة تركوينيا كارداريللي في النقد الأدبي في إيطاليا عام 2009، وجائزة بسكارا بروزو عن الترجمة الإيطالية لرواية “أطياف” في إيطاليا عام 2011، وجائزة سلطان العويس للرواية والقصة عام 2012، فضلا عن تكريمها على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2003 ضمن 12 أديبا عربيا.

وقد نعى العديد من المثقفين العرب الأديبة الراحلة على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، كما نعاها الذين تتلمذوا على يديها في الجامعات، والذين كانت نبراسا وقائدا لهم في مشوارهم العلمي.

وتداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي قصيدة تميم البرغوثي “قالولي بتحب مصر قلت مش عارف”، والتي نعوا بها الأديبة الراحلة والتي جاء بها “قالولي بتحب مصر فقلت مش عارف، لكني عارف بإني ابن رضوى عاشور، أمي التي حملها ما ينحسب بشهور، الحب في قلبها والحرب خيط مضفور”. "العرب" تنشر آراء مجموعة من الكتاب والمبدعين حول الراحلة رضوى عاشور.


خسارة للمجتمع العربي


إلياس فركوح



كاتب من الأردن


تمتلك الروائية رضوى عاشور ثلاثة أبعاد لشخصيتها، في البعد الأول هي الناشطة السياسية طوال أربعين عاما الماضية، ناشطة سياسية على نحو علني، امتلكت الجرأة في إعلان موقفها الصريح المناهض لحكم مبارك، وعبرت عن موقفها المناهض هذا في المجالات النسوية والأكاديمية والحزبية أو السياسية.

رضوى عاشور جعلت الكتابة ذلك الفعل الهش قادرا على حمل كل الثقل الذي تمر به الحياة

ومجالها الثاني هو المجال الأكاديمي كمدرسة جامعية شاركت في صياغة إحدى الموسوعات ذات البعد العلمي العالمي بالإعداد والتحرير والترجمة، وتميزت في البعد الثالث أي البعد البحثي من خلال كتابيها “التابع ينهض” الذي كرسته لإضاءة جوانب مختلفة لدى عدد من الكتاب الأفارقة، وكتاب “الطريق إلى الخيمة الأخرى” الذي خصصته لدراسة أدب الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني.

وقبل الحديث عن رضوى عاشور كروائية لا بدّ أن أشير إلى أنها كتبت السيرة الذاتية وكرست كتابا كاملا بعنوان “الرحلة” عن تجربتها في أميركا خلال دراستها الأكاديمية العليا حيث تتشابك الخطوط في حضن الذاكرة وتتوسع المشاهد على رؤية مستفيضة لأيام مضت، أما في الحقل الروائي فقد حظيت الراحلةرضوى عاشور بالشهرة الأوسع من خلال روايتها “ثلاثية غرناطة” (غرناطة، مريمة، الرحيل) التي حاولت من خلالها أن تؤرخ للتاريخ العربي.

أما روايتها “الطنطورية” فهي تجسد بشكل جلي اهتمام الكاتبة المصرية بالقضية الفلسطينية على المستوى الأدبي والروائي، وعلى الرغم من أنه لا يمكن لنا فصل الهم الفلسطيني عن همّ أي مثقف عربي حقيقي وحر، إلا أن اقترانها بالشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي لعب دورا في معايشتها للتجربة والمعاناة عائليا وشخصيا وجعل القضية الفلسطينية أحد البؤر الأساسية في حياتها. وفي النهاية أقول وأنا مرتاح الضمير أن المجتمع العربي خسر برحيل رضوى عاشور ناشطة سياسية وباحثة وروائية تركت بصمتها للأجيال القادمة في مجالات عدة.


صاحبة مشروع كتابي


فيصل دراج


ناقد من فلسطين

رضوى عاشور دافعت في كتابتها عن الديمقراطية


رضوى عاشور من تلك القلة النادرة التي اختصرت معنى المثقف في مفردة واضحة هي: الممارسة الأخلاقية، فقد بحثت في كل حياتها عن الحقيقة والحقيقي ولم تكن تنظر أبدا إلى ما هو مفيد أو يؤمن لها مصلحة ذاتية وبسبب هذا الوضوح كانت مقبولة من طرف، مرفوضة من طرف آخر، دافعت عن الديمقراطية ومصالح الناس البسطاء وكانت رائدة في محاربة التطبيع والالتزام بقضايا الشعب الفلسطيني. لم تكن تؤثر الكلمات الكبيرة مثل المثقف الثوري او اليساري أو الملتزم بل كان لها تعبير مفضل هو: المثقف الوطني الذي يتكئ على معارفه من اجل هدف محدد هو توليد هوية وطنية مستقلة حرة، تنفتح على الموروث العربي الإسلامي وتقبل بالثقافة الكونية الحديثة، متمسكة دائما بمفردات الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي والدفاع عن المستضعفين.

كانت رضوى، في اهتماماتها الثقافية المتعددة صاحبة مشروع كتابي، يوحد بين الكتابة والسياسة، ويشتق دلالة الطرفين من ذاكرة تاريخية يقظة ونقدية. ولهذا ذهبت في زمن الانكسار إلى غرناطة وكتبت ثلاثيتها الشهيرة محاورة أمجادا عربية قديمة، والتفتت إلى معنى التبعية والاستعمار وكتبت روايتها “قطعة من أوروبا” وعادت إلى الهموم الفلسطينية لاحقا في زمن بدا فيه انكسار الفلسطينيين واضحا وكتبت روايتها “الطنطورة” منجزة عملا أدبيا يجمع بين الفني والقول المسؤول.

مارست رضوى النقد الأدبي ولم تنس الرواية فقاربت غسان كنفاني في دراسة عنوانها “خيمة عن خيمة تفرق” وقدمت دراسة ممتازة عن الزيني بركات وجمال الغيطاني وكانت واعدة في النقد بقدر ما كانت واعدة في الكتابة الروائية، وما يلفت النظر في هذه المثقفة الأخلاقية بامتياز هو ذلك الدأب والمثابرة والاتساق والطموح إلى إنجاز أعمال أدبية نموذجية. ولعل من يقرأ عملها الأول “حجر دافئ” ويتأمل عملها الأخير “أثقل من رضوى” يُكبر تلك المثابرة الراقية ويُكبر ذلك الجهد الجميل الذي أوصلها إلى نثر أدبي يقترب من الندرة.

رضوى من ذلك الجيل الذي جمع بين العمل والتمرد وبين الثورة والبراءة، ففيها أشياء من يحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل وإبراهيم أصلان وفيها أشياء من رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي الذي حاورَته أكثر من مرة.

رضوى عاشور مبدعة أصيلة علمتنا قيما صعبة وضرورية أولها الصدق الأخلاقي على مستوى الممارسة اليومية وثانيها الصدق الفني على مستوى التجريب الإبداعي وثالثها الابتعاد عن المواقف الانتهازية الموسمية.

ومع أنني لم أرها منذ أكثر من ثلاث سنوات فقد كانت بالنسبة إليّ منذ أن تعرفت عليها في سبعينات القرن الماضي صديقة ورفيقة درب، كانت إنسانا متعدد المواهب أقرب إلى الأغنية، ورفيقة درب لشاعر فلسطيني مبدع كبير هو مريد البرغوثي. في رحيل رضوى يقترب جيل من المثقفين العرب من الانطفاء معلنا عن خسارة لا تُعوّض فأمثال رضوى لا تجود بهم الأزمنة كثيرا.


ثلاثيتها الغرناطية خاطبت فلسطين


حسين الموزاني


كاتب من العراق مقيم في ألمانيا


استهلت الكاتبة المصرية رضوى عاشور حياتها الأكاديمية بدراسة عن أعمال الكاتب الفلسطيني غسّان كنفاني، فكانت تدرك تماما أهمية هذا الاختيار الثوري الذي التزمت به طيلة حياتها. فهي تنتمي إلى طائفة من الكتّاب المصريين، والكاتبات خاصة، اللواتي غلبت على أسلوبهن النبرة العربية والرغبة في الوحدة والاتحاد والدفاع عن الهوية الثقافية المشتركة؛ أيّ أنّها خرجت من محليتها المصرية المحض، على الرغم من غنى هذه المحلية وتنوعها الذي لا ينضب معينه.

ارتباطها الوثيق بفلسطين تجلى منذ سنوات الدراسة، وخيار الارتباط بمريد البرغوثي رغم الثمن القاسي لكونها ابنة عائلة أرستقراطية

والتقيت بها مرّة واحدة في حياتي وكانت تجلس مع زوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في مؤتمر عن الرواية العربية نظمته جامعة القاهرة في عام 1992. وتحدثت معها قليلا عن جيل الستينات في مصر والنزعة الناصرية في الكتابة، ثم تحدثنا قليلا عن روح المقاومة في الأدب. فقالت إنّها مازالت من المقاومين ولن تتخلى عن هذه الروح. وقد شارفت آنذاك على الخامسة والأربعين ووخط الشيب شعرها الأكرت الجميل فلم تصبغه. فالتفت إليها وتأملت وجهها فترة طويلة، حتّى أنني خجلت من نظرتي إليها.

فرأيت امرأة ذات ملامح في غاية الطيبة والإصرار والتحدّي. ولم ينطق زوجها مريد البرغوثي بكلمة واحدة، لأنه كان واثقا من قوّة شخصية زوجته، المناضلة اليسارية التي أوقفت حياتها كلّها على مقارعة جميع أصناف الاحتلال، وخاصة احتلال فلسطين من قبل الاستعمار الصهيوني. رضوى عاشور خاطبت فلسطين رمزيا بثلاثيتها عن غرناطة والتي كتبتها بعد اجتماع مدريد بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية المحيطة بإسرائيل، وذلك لتصفية القضية الفلسطينية. فكتبت في روايتها تقول: “سينكّلون بنا بعد التسليم، والمعاهدة ليست إلا ورقة لا قيمة لها. ولو سلّمناهم غرناطة سيفرضون علينا الركوع حين يمرّ ركب القساوسة، ويرغموننا على الحياة في حيّ مغلق ليس له إلا باب واحد، ويشرعون سيف الترحيل على رقابنا”. فجاء قولها بمثابة نبوءة عن فشل مؤتمر مدريد وأوسلو من بعده. وهكذا ضاعت غرناطة إلى الأبد وصفّيت قضية فلسطين وأخفقت الثورة الشعبية في العالم العربي، وفي مصر بشكل خاص، عن تحقيق أهدافها. ثمّ حلّ الخريف، هذا الفصل العجيب الذي يرحل فيه الشعراء والفنانون والكتّاب، والكاتبات عادة.


رضوى عاشور ذكرى دافئة


محمود الريماوي


كاتب من فلسطين


فوجئتُ بخبر رحيل رضوى عاشور رغم معرفتي بمرضها الذي قاومته ببسالة منذ 15 عاما على الأقل. كانت الشجاعة جزءا أصيلا من تكوين هذه السيدة الرصينة والموهوبة التي تستند إلى فكر يساري مقاوم ومنفتح. يصعب عليّ رثاؤها وهي التى ظلت على الدوام شعلة حياة وصمود، ونموذجا في الوقت ذاته للطف والوداعة. إنها تنتمي إلى جيل مصري وطني وعروبي لا يقيم حدودا بين الوطنية المصرية والعروبة الحية، ويجمع بين الشأن الوطني والاجتماعي والتغيير الثقافي في وشائج متضافرة. وكحال زوجها ورفيق قلبها وعمرها الصديق الشاعر مريد البرغوثي الفلسطيني المصري فقد ظلت رضوى عاشور على الدوام مصرية عربية فلسطينية، كما كانت ناشطة أكاديمية وثقافية بارزة ومتميزة منذ عهد السادات، وما تلاه من عهود تمّ فيها وضع القضية الوطنية المصرية على تنافر مصطنع ومتعمّد مع العروبة ومع قضية فلسطين ومع حركة التحرر العربي ككل، بل حتى مع الانتماء العربي التاريخي لمصر.

رحلت رضوى وما زالت مصر كما الثقافة العربية بحاجة إلى مثل هذه القامة التنويرية والمبدعة ، والعزاء أن آثارها الإبداعية حية وباقية على الدوام وقيمتها تتجدد مع الأيام، كما ذكراها حية ودافئة في القلوب. العزاء لمريد والابن الشاعر تميم، والحركة الثقافية الديمقراطية في مصر الحبيبة، وعموم الحركة الثقافية والإبداع العربي.


إقرأ أيضا:


رضوى عاشور كاتبة تشبعت بالأفكار التحررية واستلهمت مآسي التاريخ

14