الموت يغيب سادن الذاكرة الفلسطينية سلمان ناطور

ظل الأدباء الفلسطينيون من عرب 48 أو عرب الداخل أو فلسطينيي الداخل الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل متشبثين بقراهم، يناضلون من أجل البقاء إلى اليوم، رغم ما يسلط عليهم من حيف في الداخل من قبل المحتل وفي الخارج من قبل بعض أشقائهم العرب. والأديب الفلسطيني سلمان ناطور أحد هؤلاء آثر أن يكون كل من لغته وأدبه سبيلا للتأريخ لشعبه ومعاناته إلى آخر أيام حياته، إذ وافته المنية الاثنين بمدينة حيفا بالجليل الأعلى عن عمر يناهز 67 عاما.
الثلاثاء 2016/02/16
معركتنا أن نبقى أو لا نبقى

نعت وزارة الثقافة الفلسطينية، والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين (48)، ومؤسسة محمود درويش، سادن الذاكرة الفلسطينية، الأديب والروائي العربي الفلسطيني سلمان ناطور (67 عاما)، الذي توفي صباح أمس الاثنين (15/2/2016) في مدينة حيفا بالجليل الأعلى.

تأريخ الرواية

يعتبر الأديب سلمان الناطور أحد أهم مؤرخي الرواية الفلسطينية الشفوية للذاكرة الفلسطينية. ولد الراحل في دالية الكرمل بالجليل عام 1949. بعد الثانوية حصل على شهادة بكالوريوس في الفلسفة من الجامعة العبرية في القدس. وهو من مؤسسي “رابطة الكتاب العرب في إسرائيل” وسكرتيرها، واستقال إثر خلافات جوهرية مع القائمين على الرابطة.

وقد انضم إلى صفوف “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” وعمل سكرتيرا لتحرير مجلة “الجديد” وفي صحيفة “الاتحاد” الحيفاوية. ومجلة “قضايا إسرائيلية” الصادرة في رام الله، وهو مدير “معهد إميل توما للأبحاث” (2002 – 2008).

وكتب في النقد الأدبي والفني، المسرحي والسينمائي والتشكيلي، وحاضر في مواضيع الثقافة الفلسطينية. وصدر له حوالي أربعين كتابا ما بين رواية وقصص قصيرة ودراسات وكتب للأطفال فضلا عن المسرحيات. وخمس ترجمات عن العبرية. من أهم كتبه ثلاثيته الشهيرة “ذاكرة”، “سفر على سفر” و”انتظار”.

كما أصدر العديد من الدراسات والمقالات التي بحثت في التاريخ الشفوي لنكبة الشعب الفلسطيني.

وهو منسق شبكة التاريخ الشفوي الفلسطيني في مناطق 1948، ومن مؤسسي “مؤتمر حق العودة والسلام العادل”، شارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات العربية: اتحاد الكتاب العرب، لجنة “الجديد” للسينما الفلسطينية في حيفا، جمعية تطوير الموسيقى العربية، مركز إعلام للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل،اعتقل وفرضت عليه إقامات منزلية إجبارية لفترات عديدة، بسبب مواقفه الوطنية التي عبر عنها في كتاباته الصحافية والأدبية.

سلمان ناطور كتب في الأدب: النقد الأدبي والفني، المسرحي والسينمائي والتشكيلي، وصدر له حوالي أربعين كتابا

لست مؤرخا

ويوم طلب من صاحب “ما وراء الكلمات” أن يقدم نفسه للقراء قال: أنا كاتب وحرفتي الكتابة وممارسة فنون الأدب بما في ذلك القراءة التي تصبح لأجل الكتابة، وكذلك السفر وكل نشاط آخر، فكل ما أراه وأسمعه وأعرفه يترجم حالا إلى نص أدبي، لكنه في معظم الأحيان يبقى مخزونا في الذاكرة ليشكل المادة الخام للنص القادم. مهنيا أنا كل ما ذكرته في سؤالك (مفكر وسياسي، وباحث وصحافي، وروائي و كاتب للأطفال…)، وهذا يساعدني على توظيف النثر بكافة أشكاله وأنواعه وأساليبه ولم تذكر أنني كاتب مسرحي أيضا، وأنني قادر على تقديم نصوصي بنفسي على المسرح.

وتابع قائلا: أنا لست مؤرخا وما أكتبه هو نص أدبي وليس مادة علمية وأنا لا أبحث عن الحقيقة بل عن الذين عاشوا التجربة، لا تهمّني الوقائع بقدر ما يهمّني الإنسان الذي عاش هذه الوقائع. الذاكرة الشفوية يمكن أن تكون مصدرا من مصادر المؤرخين إذا أجرى المؤرخ عملية تقاطع وتأكد من صحة المعلومة الواردة في الحكاية لكن الأهمّ من ذلك أن الذاكرة الشفوية يمكن أن تقود المؤرخ إلى وقائع لم ترد في مصادره.

أقوى من النسيان

يقول صاحب “سفر على سفر” في حوار أجري معه مؤخرا: أنا أكتب من حيفا ومن الكرمل التي بقي فيها 150 ألف فلسطيني من مجموع 800 ألف فلسطيني، أنا من أحفاد من بقي، وذهبت إليهم لأعرف ماذا حصل، لأنني شعرت بأن وجودي مهدّد، معركة البقاء هي معركتنا الأساسية؛ لذلك كان يوم الأرض والصراع ضدّ الحكم العسكري، كل معركة كان أساسها أن تبقى في حيفا أو لا تبقى، عندما أسمع خطابات واحد فاشي مثل ليبرمان عن دولة يهودية نظيفة من الأغيار، أشعر بتهديد لوجودي. معركتنا أن نبقى أو لا نبقى، في الداخل نخوض معركة شكسبيرية بكل معنى الكلمة؛ أن تكون أو لا تكون.

كان سلمان ناطور حتى اللحظة الأخيرة في حياته، ضد التطبيع وضد الاحتلال وضد المشروع الصهيوني

ويضيف: المواجهة قائمة منذ الاحتلال عام 1948 وقد حاولت السلطات الإسرائيلية فرض اللغة العبرية على مدارسنا وكان هناك من طالب الكتاب العرب بكتابة أدبهم باللغة العبرية فقط، وحتى اليوم لا تعترف السلطات الإسرائيلية بهوية ثقافتنا الفلسطينية ومع ذلك نخوض نضالا مثابرا لمواجهة “الأسرلة” التي تمارس بأشكال مختلفة من الخدمة العسكرية وحتى تمثيل إسرائيل في مهرجانات أدبية وفنية.

وكان سلمان ناطور حتى اللحظة الأخيرة في حياته يقـول “ضد التطبيع ولا حاجة لشرح الأسباب لأننا ضدّ الاحتلال وضدّ المشروع الصهيوني ونحن جزء من الشعب الفلسطيني والأمة العربية، ولا ننتظر أحدا للمزايدة علينا في الموقف من الاحتلال والصهيونية، لكن أن يعتبر التواصل العربي معنا شكلا من أشكال التطبيع مع إسرائيل فهذا غباء سياسي وهذا ما تريده إسرائيل؛ القطيعة بيننا وبين أمتنا العربية”.

ويضيف “هناك عرب يمارسون التطبيع كما يمارسون العهر؛ في الخفاء، والاختلاف فقط على السعر. إن بقاءنا في وطننا هو حجر العثرة في إتمام المشروع الصهيوني لإقامة دولة يهودية نظيفة من الأغيار. وعلى هذا الحجر ستتحطم الصهيونية لأننا نمثل تناقضها الأساس، ونحن نعرف ذلك جيدا، ولذلك نتمسك بأرضنا وهويتنا وثقافتنا وحتى بالمواطنة ونطالب الأمة العربية من محيطها إلى خليجها أن تقدّر هذا الدور، وتتركنا نبني علاقتنا بهذا النظام وهذا الكيان كيفما يتناسب ورؤيتنا. نتوخى من الأمة العربية أن تدعمنا لا أن تستهين بنا، وأن تقوّينا لا أن تضعفنا”.

15