الموت يغيب علاء الديب راهب الكتاب العربي

رغم الصراعات التي تحفل بها الساحات الأدبية العربية، والتنافس المضطرم دائما بين كتّابها، إلا أن القليلين من الكتاب الحقيقيين آثروا الابتعاد عن زخم المعارك الذي تنشئه السلطة بين الكتاب، وخيّروا العزلة والعمل في هدوء، مؤمنين بأن التاريخ سينصفهم من جهة كإيمانهم بالأدب قبل أي شيء حتى ذواتهم، من بين هؤلاء الكاتب المصري علاء الديب الذي وافته المنية الخميس الماضي، بعد صراع مع المرض، هذا الكاتب الذي لم يكتف بما كتبه من أدب ونقد فحسب، بل راح يروّج للأدب الجيّد بكل ما في قلبه الشفاف من حب.
السبت 2016/02/20
الإنسان المتحضر هو من يبقى تاريخه حيا

غيّب الموت، الخميس الماضي، الروائي والناقد المصري علاء الديب، عن عمر ناهز 77 عاما، بعد معاناة مع المرض، وشيّعت جنازته ظهر الجمعة، تاركا في الأوساط الثقافية غصة مريرة، وفراغا لا يسده سواه على الساحة الثقافية العربية، التي طالما أثراها بأعماله الهامة.

“أنت الآن طائر حبيس في قفص المعرفة والفكر. الفلسفة هي التي ستجعلك تحلق في سماء العالم. ليس مثل الفلسفة شيء يجعل من هذا الواقع الضيق عالما بلا حدود. في مكان ما سوف يلتقي الفكر بالعمل. سيصبح الحلم نضالا، ورغبة في التحقيق”.. ذلك الطائر حبيس المعرفة والفكر، الأديب المصري علاء الديب، ها هو يتحرّر من كل قيود العالم الضيّق ويغادر ذلك الواقع القاسي الذي طالما أضناه وعبّر عنه في مذكراته المنشورة بعنوان “وقفة قبل المنحدر: مذكرات مثقف مصري”.

علاء الديب روح شفافة صافية وأنيقة، روح زاهية الألق والبهاء، غريب ومثير للدهشة أن تجد كاتبا أخلص للإبداع والجمال بكل وقته وجهده، نلقبه بالجواهرجي، حارس النقد الجميل، هو بوصلتنا في قراءة كل جديد ورصين يحمل في طياته جديدا على مستوى الأفكار والموضوعات، معركة الراهب علاء الديب كانت هي تقديم الجمال دون أدنى وساطة ولا معرفة مسبقة بصاحبه.

كسر الجليد

علاء الديب لم يكن كاتبا عاديا، لأنه كان يمتلك قدرة فائقة على قراءة الحياة والناس، وعلى تحويل ذلك إلى أدب

ولد علاء الديب في مصر القديمة، وحصل على ليسانس حقوق من جامعة القاهرة، وكتب العديد من المجموعات القصصية البارزة مثل “القاهرة” في 1964، و”صباح الجمعة” في 1970، و“المسافر الأبدي” في1999، و“الشيخة” 1998، وفي مجال النقد كتب “عصير الكتب”، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات كان قد نشرها في مجلة صباح الخير، وقدّم في كل مقالة نبذة عن عمل من جملة مئة وأحد عشر كتابا في مجالات أدبية وفنية عدّة.

على صعيد العمل الروائي، كانت باكورة أعمال الديب الروائية في العام 1978 هي رواية “زهرة الليمون”، تلتها رواية “أطفال بلا دموع” في العام 1989، ثم “قمر على المستنقع” عام 1993، و“عيون البنفسج” عام 1999، و“أيام وردية” عام 2000.

وفي الترجمة، قدّم صاحب “عصير الكتب” ترجمة لمسرحية صموئيل بيكيت “لعبة النهاية” عام 1961، و“امرأة في الثلاثين، قصص هنري ميلر” عام 1980، و“عزيزي هنري كيسنجر” عام 1976 للفرنسية دانيل أونيل، و“الطريق إلى الفضيلة” عام 1992.

كتب الديب حوار فيلم “المومياء”، الذي أخرجه شادي عبدالسلام عام 1965، كما كتب سيرته الذاتية بعنوان “وقفة قبل المنحدر: من أوراق مثقف مصري (1952-1982)”، وفي عام 2001 حصل الديب على جائزة الدولة التقديرية في الآداب.

يقول الشاعر المصري سمير درويش عن الراحل: منذ سنوات بعيدة قرأت -ضمن قراءاتي المتعددة- رواية “زهر الليمون” لعلاء الديب، رواية صغيرة يمكن التهامها في جلسة واحدة، ليس لهذا السبب فقط ولكن أيضا لأنها تتحدث عن أزمة مثقف مهزوم، هو عبدالخالق المسيري، باستعراض يومين فقط من حياته. وقتها، وبعدها، ودائما كنت أراني عبدالخالق المسيري، لدرجة أنني كنت أضع على مكتبي في اتحاد كتاب مصر -زمن عملي به- اللافتة نفسها التي كان يضعها المسيري على مكتبه بقصر ثقافة السويس “طاقة مهدرة ووقت ضائع”.

علاء الديب حالة رائقة بلورية في نهر الثقافة المصرية، ويجب أن تنتقل هذه الحالة إلى كل صحفنا ومجلاتنا

من جهتها تقول الروائية المصرية زينب عفيفي: يقول كافكا “إن الكتاب الجيّد كمعول يحطّم الجليد بداخلنا”. وأقول إن الكاتب علاء الديب كسر جبالا من الثلوج بداخلنا عندما كان يسقينا كل أسبوع عصيرا حلوا من تلك الكتب التي كان يعرضها في مجلة صباح الخير، يروي بها القلوب العطشى للمعرفة بأسلوب سلس، يجري على سطور بابه المتميز كجريان نهر عذب المذاق، كان يكتب وينقد العمل الإبداعي بذاك الوعي المعرفي الذي يكشف عن مثقف يعي مسؤولية الكلمة وتأثيرها على القارئ الذي كان ينتظر ذاك العصير بكل شغف.

وتلفت الروائية إلى أن الديب عندما كتب القصة القصيرة، أخذنا إلى عالم من الدهشة، وجمال الأسلوب وعمق الأفكار، وحين كتب جانبا من سيرته الذاتية بعنوان “وقفة قبل المنحدر: من أوراق مثقف مصري (1952-1982)”، كانت من أكثر السير عذوبة وصدقا، والتي يقول في سطورها الأولى “هذه أوراق حقيقية. كتابتها كانت بديلا للانتحار”، وتؤكد أنه لم يحظ أديب بحب واحترام أغلب الأجيال الأدبية مثلما حظي به علاء الديب من حب”.

ويذكر القاص محسن يونس أن الدور الذي اتخذه الأديب علاء الديب لنفسه، والتزم به تجاه الكتاب هو أن يوالي إبداعهم بالتقديم إلى القراء، بفهم لا يقدر عليه إلا سيد كريم، يرى عطاء الآخرين أحق بأن يشاركه في الاهتمام به كل الناس، كما يؤكد أن الراحل في ركنه الركين “عصير الكتب” استطاع أن يجمع المتابعين، وبشغف أسبوعيا.

يقول القاص: يمثل علاء الديب حالة رائقة بلورية في نهر الثقافة المصرية، أفضل ترحّم على روحه الطاهرة أن تنتقل هذه الحالة إلى كل صحفنا ومجلاتنا، لتصبح ظاهرة طيبة تأخذ بيد القارئ والكاتب معا، بنفس الثراء في الفهم والحب والتقدير.

النهر العذب

تقول الروائية عزة رشاد: إن علاء الديب أديب موهوب بحق، ناقد ومترجم بارع، كاتب ومفكر، وفي كل أعماله لم يتنازل في أيّ فصل، بل في أيّ صفحة من كتاب عن الالتزام بقضايا بلده وأمته، التزام يتجاوز كونه أداء واجب، إنه بمعنى ما “إيمان”، اختيار حر. ولهذا يذكرنا بالقضية الفلسطينية في وقت سكت عنها الكلام والإبداع، أقل ما يوصف به هو: سوداوي أو مؤلم، لكن هذا من جهة أخرى يؤكد أن علاء الديب اختار الكتابة لأنه إنسان مفعم بحس المقاومة.

الكاتب التزم تجاه الكتاب أن يوالي إبداعهم بالتقديم إلى القراء، بفهم لا يقدر عليه إلا سيد كريم

من جهته يقول الكاتب والناقد جمال الطيب مستذكرا قول المتنبي: تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه، كانت هذه العبارات أول ما تبادر إلى ذهني فور علمي بوفاة الأستاذ والناقد الكبير العم علاء الديب، مع متابعتي لحالته الصحية خلال الأيام الأخيرة، ولكن كان يملؤني اليقين أنه سيتغلب على هذه الوعكة التي ألمت به، لنعود لمطالعة مقالاته، ولكن الموت عاجله، ولتسكن الحسرة والألم بداخلي.

يتابع: وأنا هنا أتحدث عن العم علاء الديب كناقد، فمن من خلال مقالاته التي تحمل عنوان “عصير الكتب”، والتي كانت النبراس الذي من خلاله يدلنا الناقد الراحل إلى الجيد والثمين، وكأديب من خلال روايته “عيون البنفسج” حيث نستشعر في شخصية شوقي عامر والذي يصفه المؤلف/ الراوي قائلا “كان قلبه على أطراف أصابعه تشعر وأنت تسلم عليه، حيث يبقي يدك بين يديه، لفترة لا تطول ولا تقصر. وتتلقاك عيناه الطيبتان المندهشتان”. لقد رحل الفقيد الغالي ولكن تبقى معنا أعماله الإبداعية ومقالاته الأدبية وتاريخه الناصع المشرف.

الأديبة سامية بكري تذكر أن كل ما تستطيع قوله عن قامة كبيرة مثل علاء الديب هو أنها تربت على زاويته المميزة والرائعة في مجلة صباح الخير عصير الكتب، وعندما التحقت بالجامعة راحت تبحث عن كتبه ورواياته فقرأت له أكثر من رواية كان أهمها “زهر الليمون” ثم توالت قراءاتها له، حتى انشغلت بعدها لفترة طويلة بقراءات أخرى وعندما دخلت مجال الكتابة الأدبية وأصدرت روايتها “ونسة” كانت تتمنى أن يقرأها الديب وأن يمنحها نقدا تستنير به.

وتؤكد الكاتبة بسمة عبدالعزيز أن وداع علاء الديب وداع ثقيل، إذ تقول: عم علاء المثقف النقي النبيل، شديد العذوبة والرقة، الحر حتى النهاية، عرفته في السنوات الأخيرة منكفئا على كتاباته وبين مقالاته الرصينة العميقة، مكتفيا بذاته، لا يطلب من أحد شيئا. ظل زاهدا في الموائد التي اجتمع حولها كثيرون، عازفا عن المشاركة، أسعدني الحظ بزيارات متقطعة وأحاديث رائقة شجية معه ستظل ذكراها محفورة في العقل والقلب. وداعا يا عم علاء.

17