الموت يغيّب الفنان المصري جميل راتب

وزارة الثقافة المصرية تنعى الممثل الراحل جميل راتب، وتصفه في بيان بأنه "أحد العلامات البارزة في تاريخ السينما المصرية".
الخميس 2018/09/20
جميل راتب في عز تألقه

القاهرة – قال التهامي هاني مدير أعمال الفنان المصري جميل راتب إن راتب توفي الأربعاء عن عمر ناهز 92 عاما بعد صراع طويل مع المرض.

ونشر مدير أعمال الفنان المصري على صفحته الرسمية على فيسبوك تسجيل فيديو، قال فيه “البقاء لله.. انتقل عن دنيانا الفنان الجميل جميل راتب الأربعاء”. وأقيمت صلاة الجنازة ظهر الأربعاء في مسجد الأزهر بالقاهرة، مشيرا إلى أن راتب طلب ألاّ يقام له عزاء.

ولم يحضر جنازة الفنان الراحل من نجوم الفن سوى أشرف زكي نقيب الممثلين المصريين، والفنان عزت العلايلي، والفنان عبدالعزيز مخيون، والفنانة سلوى محمد علي، والفنان محمد صبحي، فيما أنابت إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة المصرية، خالد عبدالجليل مستشار وزير الثقافة للسينما ورئيس المركز القومي للسينما لحضور الجنازة. ويأتي غياب الفنانين للجنازة مخيبا لوصية وأمنية الفنان الراحل، الذي تمنى حضور كبار النجوم لجنازته، وأبدى عدم رغبته في إقامة عزاء.

وتعرض راتب لوعكة صحية خلال يوليو الماضي، وتم نقله إلى أحد المستشفيات بالعاصمة المصرية القاهرة، قبل أن يسافر إلى باريس في محاولة لاستعادة صوته المفقود بفعل الشيخوخة.

وولد جميل راتب في 18 أغسطس من عام 1926 بالقاهرة لأب مصري وأم فرنسية، ودرس في مدرسة الحقوق الفرنسية وبعد السنة الأولى سافر إلى باريس لإكمال دراسته، وهناك انضم إلى فرقة “الكوميدي فرانسيز”، حيث شارك في العديد من المسرحيات الفرنسية.

وبدأ راتب التمثيل منذ صغره، وكانت أولى مشاركاته السينمائية في فيلم “أنا الشرق” بطولة الممثلة الفرنسية كلود غودار وجورج أبيض وحسين رياض وتوفيق الدقن.

وكان فيلم “الصعود إلى الهاوية” الذي قدّمه راتب عام 1978 نقطة تحوّل في مشواره السينمائي، وحصل على جائزة أفضل دور ثان عن الفيلم وسلمها له الرئيس الراحل أنور السادات.

فنان عالمي

شارك جميل راتب في العديد من الأعمال الناجحة منها أفلام “ولا عزاء للسيدات” و”البريء” و”البداية” و”طيور الظلام” و”الكيف” و”على من نطلق النار” و”شفيقة ومتولي”، كما لعب أدوارا رئيسية في مسلسلات منها “الراية البيضاء” و”الزوجة أول من يعلم” و”أحلام الفتى الطائر” و”رحلة المليون” و”زيزينيا” و”يوميات ونيس” و”المال والبنون” و”وجه القمر”.

وشارك جميل راتب أيضا بالأداء الصوتي في فيلم “عمر المختار”، كما خاض الممثل الراحل تجربة الإخراج المسرحي؛ حيث قدّم مسرحيات مثل “الأستاذ” من تأليف سعدالدين وهبة، ومسرحية “زيارة السيدة العجوز” التي اشترك في إنتاجها مع محمد صبحي، ومسرحية “شهرزاد” من تأليف توفيق الحكيم.

وتعاون الراحل مع عدد كبير من المخرجين والفنانين الكبار من أبرزهم عاطف الطيب وعلي بدرخان ويسري نصرالله وأحمد زكي ومحمود عبدالعزيز وفاتن حمامة وسناء جميل وسميحة أيوب.

عمر الشريف وجميل راتب في {لورانس العرب}
عمر الشريف وجميل راتب في "لورانس العرب"

وشارك أيضا في أعمال مسرحية وسينمائية عالمية، أبرزها مشاركته المميزة في فيلم “لورانس العرب” بجانب النجم المصري الراحل عمر الشريف، كما تقمّص أيضا دور البطولة في ثلاثة أفلام تونسية من إنتاج فرنسي مصري مشترك، وهي “كش ملك” لفرشيد فرشيو و”شيشخان” لمحمود بن محمود و”صيف حلق الوادي” لفريد بوغدير.

وكرمه مهرجان القاهرة السينمائي 2017 بعد رحلة طويلة مع التمثيل في مسارح باريس، والمشاركة في 67 فيلما مصريا من أبرزها “الكيف” و”شفيقة ومتولي” وعدد كبير من أفلام السينما العالمية.

ونعى العديد من الفنانين والمثقفين المصريين الراحل، من بينهم إسماعيل مختار، رئيس البيت الفني للمسرح الذي قال في بيان صحافي “جميل صاحب مسيرة فنية طويلة وصلت إلى العالمية، شارك في عدد من الأفلام التي تعد علامات في تاريخ السينما المصرية والعالمية”.

وبدورها نعت الكاتبة والشاعرة المصرية فاطمة ناعوت الراحل، حيث نشرت عبر حسابها الرسمي “فيسبوك” صورتين لها مع الفنان أثناء حضورهما في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الماضية، وعلقت “الله يرحمك يا حبيبي بقدر ما أبهجتنا، جميل راتب إلى السماء”، كما نعاه عدد من المشاهير من بينهم روجينا وزوجها أشرف زكي وحلا شيحة.

جميل والموت

الراحل جميل راتب شارك بصوته في فيلم "عمر المختار" قبل أن يفقد صوته في آخر مشوار حياته بفعل الشيخوحة
الراحل جميل راتب شارك بصوته في فيلم "عمر المختار" قبل أن يفقد صوته في آخر مشوار حياته بفعل الشيخوخة

كان آخر ظهور إعلامي للراحل جميل راتب في أكتوبر 2017، جمعه مع الإعلامية رغدة شلهوب، عبر برنامجها “فحص شامل” على فضائية “الحياة”، وفيه تحدث الفنان المصري عن الموت، وكيف يراه، ومدى تخوفه من العذاب، واصفا موقفه من حياته التي عاشها.

ووصف الفنان الراحل بنبرة حزينة وعيون باكية الموت بأنه “راحة من مشكلات المرض وكبر السن ومشكلات الحياة”.

وقال في اللقاء “لست خائفا من الموت، لكني أخاف من العذاب، وأفضل الموت دون عذاب، لأن الموت مصير كل إنسان”.

واستكمل “في الموت نقابل أناسا كنا نحبهم وافتقدناهم، وأعتقد أننا سوف نعيش حياة أخرى في العالم الآخر مع من أحببناهم”. وعن حياته على مدار أكثر من 90 عاما، قال الفنان الراحل “أنا راض عن حياتي التي عشتها، لن أقول إنني أحببتها، لكني راض عنها”، وردا على سؤال الإعلامية حول أمنيته للبقاء على قيد الحياة، قال “هكذا يكفي، أنا عمري الآن أكثر من تسعين عاما”.

هكذا، رحل جميل راتب صبيحة الأربعاء في صمت، وهو الذي كُتب عليه الصمت في آخر أيام حياته بعد فقدانه لصوته، ومع ذلك لن تنسى شاشة السينما أو التلفزيون تلك الملامح البريئة الطيبة والمعقدة والشريرة في آن واحد، للشرير الجميل، أو “الإكسلانس” الذي حفر عميقا في وجدان المشاهد المصري والعربي بابتسامته المتهكمة الساخرة من الحياة وكل ما فيها.

16