الموجة الحضارية

الخميس 2016/11/03

الحياة تحكمها المعرفة ولا يحكمها السلاح في نهاية الأمر، ورغم أن الواقع يشير إلى عكس ذلك في راهن الحياة حيث الحروب والثورات وشيوع استعمال السلاح بشكل خطير، فإن بذرة المعرفة هي الأبقى والأكثر صلاحية للبشرية في كل مكان وهذا من ثابت التطور العام الذي تشهده الحياة بمنتجها العلمي التكنولوجي الإلكتروني عبر طفرات شبكات العولمة في الاتصالات والميديا ومبتكرات الإلكترونيات الفذة، بما يعني شيوع مفهوم المعرفتاريا على نطاق واسع في مفاصل المجتمعات.

والمعرفتاريا مصطلح مبتكر رافق العلوم الحديثة في منتصف التسعينات من القرن الماضي؛ حينما شهدت الحياة طفرة اتصالية كبيرة شفّت عن تحولات عميقة في بنية الحياة العامة بتوصيفاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

والأميركي “ألفين توفلر” صاحب ثلاثية “صدمة المستقبل- الموجة الثالثة- تحول السلطة” هو مجترِح المعرفتاريا مصطلحاً ومفهوماً عندما وجد أن الثورة المعرفية هي الموجة الثالثة في حياة البشرية، بعد الموجتين الزراعية والصناعية، وقد شكلت الموجة المعرفية الجديدة أسس حضارة إنسانية جديدة قوامها سلاح المعرفة الشامل في الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والعلاقات الإنسانية المتداخلة، وقبل هذا وذاك.. السلطة.

يرى توفلر أن السلطة التي تقوم على المعرفة والثقافة يمكن أن تحقق مكاسب شعبية وإنسانية وتؤسس عصرها الذهبي، فالعالَم يحتاج إلى المعرفة أكثر من حاجته إلى السلاح، وعصر الحروب والأسلحة والعنف الشامل الذي مارسته السلطات سابقاً يجب ألا يكون له وجود في عصر المعرفة-المعرفتاريا أو هكذا يأمل وهو يؤسس نظرية حضارية عبر الموجة “الثورية” التي اقتحمت الحياة من دون إراقة الدماء.

فعصر التحولات الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والإنفوميديا والميديا، هو عصر ثوري بامتياز تفوق على عصري الزراعة والصناعة بتوطيده أركان المعرفة في الذات الإنسانية حينما قلبَ مفاهيم السلطة، بوصفها مصدراً للعنف إلى أن تتمسك بعامل المعرفة للنقلة الحضارية الثالثة التي ترتقي بسلالمها إلى آفاق بعيدة، فـ(المعرفة هي من أعظم وسائل السلطة قيمة) وامبراطوريات العقل هي امبراطوريات المستقبل كما قالها ونستون تشرشل ذات يوم.

مستوى ما يطرحه ألفين توفلر بشأن فكرة المعرفة والسلطة والعنف عميق؛ فالعنف هو إحدى الوسائل التي تقود إلى السلطة حتى يومنا هذا، لا سيما في العالم الشرق أوسطي، ويبدو أن البشرية استهلكت آراءها وأفكارها في ميدان التعامل السلمي بأشكاله المختلفة لذلك اعتادت العنف وصولا إلى السلطة. ويرى توفلر أن تحول السلطة إنما يتم بتغيير جوهرها عبر الإمساك بالمعرفة، فالمعرفة في ذاتها سلطة وعمل مضاعِف للثروة والقوة، وهي القدرة، والقدرة هي المعرفة، والسلطة ذات الجودة العالية هي حصيلة استخدام المعرفة بشكلها الفني واستعمال جوهرها في معالجة شؤون الحياة الجديدة.

الثقافة والوعي والمعرفة والاستحواذ على التقنيات الفاعلة هي نتاج المعرفتاريا الجديدة، لأنها تمكنت من استثمار هذه المعطيات القيّمة في تثوير الواقع وقلبه إلى واقع آخر، فالسلطة المبنية على العنف أثبتت أنها أمام الثورة المعرفية لا تساوي حتى صفراً صغيرا، فالعالم يتقدم ويمشي ويركض كي يصل إلى قلب الحقائق الجديدة التي وفرتها له وصلات التكنولوجيا في أسمى معانيها وأفضل ارتقاءاتها الهائلة.

المعرفتاريا هي الموجة الثالثة كسلطة جديدة في مواجهة السلطات التقليدية التي تميل إلى العنف ولا تستثمر إمكانات العلم وانفجاراته المدوية في هذا العصر القائم بثورة علمية ثالثة مستندة إلى أرضية مبتكرة، بمحمولاتها القوية والمؤثرة والفاعلة، في حين يبقى السلاطين يقلبون إرث سلالاتهم النافقة، ليبتكروا العنف بطرق حديثة، لذلك يصطف توفلر مع الجماهير المعرفية التي يقول فيها “كلما زاد الشعب علماً وثقافة ازدادت مطالبته بالديمقراطية”.

وفي المحصّلة نقر بأن الديمقراطية هي معرفة حضارية وليست قوانين مكتوبة وشروطا سياسية تكتبها أحزاب السلطة.

كاتب من العراق

14
مقالات ذات صلة